بعد واقعة طفل العبور.. من يحمي ذوي الإعاقة من الاعتداء داخل جلسات التخاطب؟
أثارت وقائع الاعتداء التي تعرض لها عدد من الأشخاص ذوي الإعاقة، خلال الفترة الأخيرة، تساؤلات واسعة حول آليات حماية الأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة أثناء تلقي جلسات التخاطب والتأهيل، خاصة عندما تتم تلك الجلسات داخل المنازل أو بعيدًا عن رقابة الأسرة المباشرة.
وكشفت التحقيقات في إحدى الوقائع المرتبطة بطفل من ذوي اضطراب طيف التوحد في منطقة العبور، عن تفاصيل تتعلق بتعرضه للاعتداء خلال جلسة تخاطب داخل منزله، بينما كشفت واقعة أخرى عن تعرض فتاة من ذوي الإعاقة للاعتداء داخل منزلها، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول معايير اختيار مقدمي خدمات التأهيل، ومدى التأكد من مؤهلاتهم المهنية وقدرتهم على التعامل مع الحالات التي تحتاج إلى رعاية خاصة.
الأم تلاحظ تغير سلوك طفلها بعد جلسة التخاطب
في واقعة العبور، تبين أن الطفل المعتدى عليه من ذوي اضطراب طيف التوحد، وأن والدته لاحظت تغيرًا في سلوكه بعد إحدى جلسات التخاطب التي تلقاها داخل المنزل.
وبحسب ما ورد في تفاصيل الواقعة، أثار التغير الملحوظ في سلوك الطفل قلق والدته، قبل أن تكشف مراجعة ما حدث خلال جلسة التخاطب عن تعرضه لاعتداء من جانب المعلمة التي كانت تقدم له الجلسة.
وتأتي أهمية هذه الواقعة من طبيعة حالة الطفل، إذ قد يواجه بعض الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد صعوبة في التعبير عما تعرضوا له بالكلمات، وهو ما يجعل ملاحظة الأسرة لأي تغيرات مفاجئة في السلوك أمرًا يستحق الانتباه والتحقق.
فيديو يوثق الواقعة ويصل إلى الجهات المختصة
وجرى رصد الواقعة من خلال مقطع فيديو بثته أسرة الطفل، قبل أن يتم التواصل مع والدته لمعرفة التفاصيل، ومن ثم إبلاغ النيابة العامة بالواقعة لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
وأصبحت جلسة التخاطب، التي يفترض أن تكون مساحة آمنة لمساعدة الطفل على تطوير قدراته في التواصل، محل تحقيق بعد ظهور ما يفيد بتعرضه للعنف، وهو ما يطرح أهمية وجود آليات واضحة تضمن سلامة الأطفال خلال جلسات التأهيل، سواء كانت داخل المراكز المتخصصة أو في المنازل.
تغير السلوك قد يكون إشارة تستحق الانتباه
وقال الدكتور محمد فوزي عبد العال، أستاذ الطب النفسي بجامعة أسيوط، إن الطفل الذي يجد صعوبة في التعبير بالكلمات قد يعبر عن الضيق أو الخوف بطرق أخرى، مثل الخوف من الجلسة، أو الانسحاب، أو تغير النوم أو السلوك.
وأوضح أن ظهور مثل هذه العلامات يستحق الإصغاء والتحقق، مشيرًا إلى أهمية أن تطمئن الأسرة الطفل وألا تحول عملية الاستفسار إلى استجواب متكرر، خاصة إذا كان الطفل يعاني من صعوبات في التواصل أو التعبير.
وأكد أن التعامل مع الطفل في مثل هذه الحالات يجب أن ينطلق من ملاحظة التغيرات التي طرأت عليه، مع البحث عن أسبابها بطريقة هادئة ومتخصصة.
كيف تتأكد الأسرة من أمان جلسات التخاطب؟
وتعيد هذه الوقائع طرح سؤال مهم أمام الأسر التي تستعين بمقدمي خدمات التخاطب والتأهيل، وهو كيفية التأكد من أن الشخص الذي يتولى تدريب الطفل يمتلك المؤهلات اللازمة للتعامل معه، وأن بيئة الجلسة توفر له الأمان والحماية.
وتزداد أهمية هذه النقطة عندما تكون الجلسات منزلية، إذ ينبغي للأسرة أن تتأكد من هوية مقدم الخدمة ومؤهلاته وخبرته في التعامل مع الحالة، مع وضع آلية واضحة لمتابعة الجلسات وعدم تجاهل أي تغير غير معتاد في سلوك الطفل.
واقعة أخرى في الغربية
وفي واقعة أخرى بمحافظة الغربية، ظهرت تفاصيل بلاغ تقدمت به سيدة وشقيقتها من ذوي الإعاقة، تضمن اتهامات بتعرض المجني عليها للاعتداء من جانب شقيقها بمساعدة والدها، وفقًا لما ورد في البلاغ المقدم إلى النيابة العامة.
وأشارت تفاصيل الواقعة إلى أن الخلاف ارتبط برغبة الفتاة في الارتباط بشخص تقدم لخطبتها، إلا أن والدها وشقيقها رفضا الأمر، قبل أن يتطور الخلاف إلى اعتداء عليها، أسفر بحسب البلاغ عن إصابتها بكدمات وسحجات.
وتختلف هذه الواقعة عن واقعة العبور من حيث أطرافها وملابساتها، إلا أنها تطرح القضية نفسها المتعلقة بحماية الشخص ذي الإعاقة عندما يأتي الأذى من شخص يفترض أن يكون من دائرة الرعاية أو الحماية.
مقدم الرعاية لا يملك حق استخدام العنف
وتؤكد هذه الوقائع أن وجود الشخص ذي الإعاقة في بيئة علاجية أو أسرية لا يمنح أي شخص حق استخدام العنف ضده، كما أن صعوبة التواصل أو التعبير لا تعني عدم القدرة على الإحساس بالخوف أو الألم أو رفض السلوك المؤذي.
وفي الحالات التي تعتمد على جلسات التأهيل والتخاطب، تصبح مسؤولية مقدم الخدمة أكثر حساسية، لأن التعامل مع الطفل يتطلب معرفة بطبيعة حالته وقدرته على التواصل، إلى جانب استخدام الأساليب المهنية المناسبة للتعامل مع رفض الطفل أو انفعاله.
هل يحتاج مقدم جلسات التخاطب إلى تقييم نفسي؟
وأوضح الدكتور محمد فوزي عبد العال أن وقوع اعتداء على طفل لا يعني تلقائيًا أن الشخص المتهم بالاعتداء يعاني من اضطراب نفسي، مشددًا على أن التشخيص النفسي لا يمكن إجراؤه اعتمادًا على مقطع فيديو أو واقعة منفردة.
وأشار إلى أن تقييم الحالة النفسية يحتاج إلى فحص متخصص، كما أن العنف وحده لا يكفي لتشخيص اضطراب نفسي، مؤكدًا في الوقت نفسه أن وجود مرض نفسي - إذا ثبت بفحص متخصص - لا يعني بالضرورة ممارسة العنف، ولا يعفي الشخص من المسؤولية القانونية عن أفعاله.
وبالتالي، فإن السؤال المهني لا يجب أن يقتصر على معرفة ما إذا كان مقدم الخدمة يعاني اضطرابًا نفسيًا، وإنما يجب أن يشمل أيضًا مدى أهليته المهنية، ومؤهلاته، وطريقة تعامله مع الأطفال، وما إذا كانت هناك شكاوى سابقة تتعلق بسلوكه.
التقييم المهني لمقدمي خدمات التخاطب
وتفتح وقائع الاعتداء الباب أمام أهمية التحقق من أهلية مقدمي خدمات التخاطب والتأهيل للأطفال، خصوصًا من يتعاملون مع الحالات التي تواجه صعوبة في التعبير عن نفسها.
ويشمل ذلك التأكد من المؤهلات والتدريب والخبرة اللازمة، ومعرفة كيفية التعامل مع نوبات الغضب أو رفض الطفل للجلسة، بالإضافة إلى وجود نظام واضح لتلقي شكاوى الأسر والتحقق منها عند ظهور أي سلوك غير مناسب.
أما إذا ظهرت مؤشرات تستدعي تقييمًا نفسيًا أو مهنيًا للشخص الذي يقدم الخدمة، فينبغي أن يتم ذلك من خلال الجهات المختصة وبناءً على فحص مهني، وليس من خلال استنتاجات يتم إطلاقها اعتمادًا على مقطع مصور.
العنف داخل جلسة التخاطب يهدد الثقة في العلاج
وأشار أستاذ الطب النفسي إلى أن الهدف الأساسي من جلسات التخاطب هو مساعدة الطفل أو الشخص الذي يعاني من صعوبات في التواصل على تطوير قدراته تدريجيًا، داخل بيئة يشعر فيها بالأمان.
لكن تعرض الطفل للعنف خلال الجلسة قد يجعل تجربة العلاج نفسها مرتبطة بالخوف، وهو ما قد يؤثر على استعداده لحضور جلسات لاحقة أو التعامل مع مقدم الرعاية.
ومن هنا، فإن حماية الطفل لا تقتصر على منع الاعتداء أثناء الجلسة، وإنما تشمل أيضًا توفير بيئة علاجية آمنة، والتعامل مع أي علامات خوف أو تغير سلوكي تظهر بعد الجلسة، وإتاحة وسيلة واضحة للأسرة للإبلاغ والتحقق.
من يحمي الأشخاص ذوي الإعاقة من الاعتداء؟
وأكد عبد العال أن الأسرة، عند الاشتباه في تعرض طفل أو شخص من ذوي الإعاقة للاعتداء، عليها تدوين ما تلاحظه من تغيرات أو وقائع، واللجوء إلى الجهات المختصة عند وجود شبهة اعتداء.
وأضاف أن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى اختبار لقدرة الطفل على رواية ما حدث، وإنما إلى اختبار لقدرة المحيطين به على ملاحظة علامات الخوف والتغير، وحمايته، والتحقق من أي ادعاء يتعلق بتعرضه للأذى.
كما شدد على أهمية عدم إعادة تداول مقاطع الاعتداء التي تكشف هوية الطفل أو الشخص ذي الإعاقة، لما قد يترتب على ذلك من آثار نفسية أو انتهاك للخصوصية، مع ترك مهمة التحقق والتحقيق للجهات المختصة.
الأولوية لحماية الطفل وضمان سلامة جلسات التأهيل
وتظل الأولوية في مثل هذه الوقائع هي حماية الطفل أو الشخص ذي الإعاقة، وضمان حصوله على الرعاية المناسبة داخل بيئة آمنة، مع التحقيق في أي واقعة اعتداء وإسناد المسؤولية إلى من تثبت التحقيقات ارتكابه لها.
كما تبرز الحاجة إلى تعزيز وعي الأسر بكيفية اختيار مقدمي خدمات التخاطب والتأهيل، والتحقق من مؤهلاتهم، ومتابعة سلوك الطفل بعد الجلسات، وعدم تجاهل التغيرات المفاجئة في النوم أو السلوك أو درجة الخوف.
وفي المقابل، فإن إطلاق تشخيصات نفسية على المتهمين بالاعتداء دون فحص متخصص قد يكون غير دقيق، ولذلك يبقى التقييم النفسي والمِهني - عندما تستدعيه الملابسات - مهمة للمتخصصين والجهات المختصة، بينما تظل مسؤولية إثبات وقوع الاعتداء وتحديد المسؤول عنه شأنًا تحسمه التحقيقات والأدلة.

.gif)