القاهرة مباشر

«علم النفس الإسلامي» يتمدد في فرنسا.. تحقيق يكشف شبكة من العلاقات المثيرة للجدل

الأحد 20 سبتمبر 2026 03:09 مـ 7 ربيع آخر 1448 هـ
الإخوان
الإخوان

يتسع حضور ما يعرف بـ«علم النفس الإسلامي» في فرنسا عبر منصات التواصل الاجتماعي والدورات المدفوعة، وسط نقاش متزايد حول حدوده المهنية وصلاته الدينية والمؤسساتية. ويستعرض تحقيق فرنسي مسارات بعض الممارسين وعلاقاتهم بجهات مثيرة للجدل، بالتوازي مع تساؤلات بشأن الاعتراف بالشهادات والرقابة المنظمة لمهنة علم النفس في البلاد خلال الفترة الحالية.

«علم النفس الإسلامي» ينتشر عبر منصات التواصل

بمصطلحات مألوفة في جلسات العلاج النفسي، مثل «الاستماع الفعال» و«العناية بالنفس» و«التطوير الذاتي»، يشهد ما يعرف بـ«علم النفس الإسلامي» انتشارًا متزايدًا في فرنسا، مدفوعًا بحضور لافت على منصات مثل «تيك توك» و«إنستجرام» و«يوتيوب».

وتناول تحقيق نشرته مجلة «لو بوان» الفرنسية هذا الاتجاه من زاويتين؛ الأولى تتعلق بدمج المرجعية الدينية بالممارسة النفسية، والثانية تبحث في المسارات التعليمية والمؤسساتية لبعض الأسماء العاملة في المجال وصلاتها المفترضة بشبكات مرتبطة بتيار الإخوان المسلمين.

ويطرح التحقيق في الوقت نفسه تساؤلات حول الفصل بين الممارسة المهنية المنظمة لعلم النفس وبين الدورات والمناهج ذات المرجعية الدينية، ومدى القيمة المهنية للشهادات التي تمنحها جهات خاصة تعمل في هذا المجال.

وجوه بارزة على «تيك توك» و«إنستجرام»

وتناول التحقيق وهيبة بحو، التي تعرف نفسها بأنها عالمة نفس إكلينيكية، وتقول إنها تلقت تعليمها في جامعة باريس إلى جانب تدريبات إضافية في عدد من الدول.

وتقدم بحو عبر منصات التواصل محتوى يجمع بين موضوعات الصحة النفسية والمرجعية الدينية، وتطرح من خلاله تصورًا لرعاية نفسية تراعي معتقدات المريض المسلم.

ومن بين النماذج التي يعرضها التحقيق تناولها لحالة شخص يعاني صراعًا نفسيًا مرتبطًا بميوله الجنسية والتزاماته الدينية خلال شهر رمضان، حيث حاولت، وفق الطرح المنشور، التمييز بين المشاعر والسلوك والممارسة الدينية.

كما ترتبط بحو بـ«الرابطة الفرانكوفونية لعلم النفس الإسلامي»، التي تقدم برامج ودورات متخصصة. وتظهر بيانات منشورة للرابطة أسماء عدد من العاملين في مجال علم النفس الإسلامي، ومن بينهم وهيبة بحو وعلي حبيبي وحفصة قرقري.

حفصة قرقري والدراسات الإسلامية

ويتناول تحقيق «لو بوان» كذلك حفصة قرقري، التي يشير إلى حصولها على درجة الماجستير في علم النفس، قبل أن تتجه إلى دراسة العلوم الإسلامية.

ويربط التحقيق بين مسارها وبين «المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية»، وهو اسم برز بقوة في النقاش الفرنسي حول المؤسسات المرتبطة بالتيار الإسلامي خلال السنوات الأخيرة.

وفي سبتمبر 2025، أصدرت الحكومة الفرنسية مرسومًا بحل «المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية» في شاتو شينون. ونسب المرسوم الرسمي إلى المعهد مجموعة من الممارسات والروابط التي قالت السلطات إنها تبرر قرار الحل، كما ذكر أن الدراسة والتكوين داخله شكلا، وفق تقييم الحكومة، محطة مؤثرة في مسار التطرف العنيف لعدد من طلابه السابقين.

ماذا تقول السلطات الفرنسية عن شبكات الإخوان؟

ويستند تحقيق «لو بوان» إلى مسارات مهنية وتعليمية ومشاركات عامة لطرح تساؤلات حول وجود روابط بين بعض العاملين في مجال «علم النفس الإسلامي» ومؤسسات تصنفها تقارير فرنسية ضمن ما يسمى بـ«المحيط الإخواني».

وكان تقرير فرنسي رسمي حول «الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا» قد أشار إلى منظمة «طلاب مسلمي فرنسا» باعتبارها امتدادًا طلابيًا لشبكة ارتبطت تاريخيًا باتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، الذي أصبح لاحقًا «مسلمو فرنسا». وتظل توصيفات هذه الروابط محل نقاش سياسي وعام داخل فرنسا.

وتناول تحقيق «لو بوان» في هذا السياق أنشطة سابقة لبعض الشخصيات ومشاركاتها في فعاليات أو مؤسسات مرتبطة بهذه الشبكات، لكنه يقدم تلك الروابط في إطار تحقيق صحفي يتتبع المسارات المؤسسية، وليس باعتبارها أحكامًا قضائية على الأشخاص المذكورين.

علي حبيبي واللقاءات السنوية لمسلمي فرنسا

ويتطرق التحقيق إلى علي حبيبي، وهو ممارس في مجال علم النفس، ويصفه بأنه من أبرز المساهمين في تأسيس المسار الفرانكوفوني لـ«علم النفس الإسلامي».

ويشير التحقيق إلى مشاركاته في فعاليات مرتبطة بـ«اللقاءات السنوية لمسلمي فرنسا»، التي تنظمها «مسلمو فرنسا»، وهي المنظمة التي عُرفت سابقًا باسم اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا.

وتشير دراسات وتقارير فرنسية إلى العلاقات التاريخية بين هذه المنظمة والتيار الإخواني في فرنسا، في حين تشكل طبيعة هذه الروابط وحجم تأثيرها موضوعًا مستمرًا للنقاش السياسي والأكاديمي الفرنسي.

مالك بدري والجذور الفكرية

ويربط التحقيق انتشار «علم النفس الإسلامي» الحديث بكتابات عالم النفس السوداني مالك بدري، الذي يعد من أبرز الأسماء التي دعت إلى تطوير مقاربات نفسية تنطلق من مرجعية إسلامية.

وقدم بدري منذ عقود انتقادات لمدارس علم النفس الغربية، كما تبنى في بعض كتاباته مواقف مثيرة للجدل بشأن المثلية الجنسية وفيروس نقص المناعة البشرية.

وتوثق كتاباته ودراسات أكاديمية لاحقة طرحه الذي ربط بين الإيدز والتحولات الجنسية والاجتماعية في المجتمعات الغربية، وهي أطروحات تعرضت لانتقادات علمية وأخلاقية واسعة.

من يحق له استخدام لقب «عالم نفس» في فرنسا؟

ويتجاوز الجدل مسألة المرجعية الدينية إلى الإطار القانوني المنظم لمهنة علم النفس في فرنسا.

فاللقب المهني لـ«عالم النفس» محمي قانونًا في فرنسا منذ قانون 25 يوليو 1985، ويتطلب مسارًا جامعيًا محددًا في علم النفس، فيما تنص القواعد المنظمة على تدريب مهني لا تقل مدته عن 500 ساعة ضمن شروط الحصول على التأهيل المناسب لممارسة المهنة.

وبالتالي، فإن الحصول على شهادة خاصة في «علم النفس الإسلامي» أو حضور دورة تدريبية في هذا المجال لا يمنح صاحبه، بذاته، الحق في استخدام اللقب المهني المحمي ما لم يكن مستوفيًا للشروط القانونية والأكاديمية المطلوبة في فرنسا.

شهادات خاصة وإقبال متزايد

ويتزامن النقاش التنظيمي مع انتشار دورات وبرامج تدريبية تقدم تحت مسميات مرتبطة بـ«علم النفس الإسلامي»، بعضها موجه بالفعل إلى متخصصين في علم النفس، وبعضها يقدم محتوى يجمع بين الدراسات الدينية وأساليب الدعم والإرشاد النفسي.

وتظهر مواقع الجهات العاملة في المجال وجود برامج تمنح شهادات خاصة في «علم النفس الإسلامي»، مع مشاركة متخصصين في علم النفس الإكلينيكي ضمن هيئات التدريس.

غير أن هذه الشهادات الخاصة تظل منفصلة عن الشروط القانونية الرسمية التي تمنح حق استخدام لقب «عالم نفس» داخل فرنسا.

ومع استمرار انتشار المحتوى النفسي الديني عبر وسائل التواصل، يفتح هذا الاتجاه نقاشًا أوسع في فرنسا حول كيفية احترام المعتقدات الدينية للمريض، وفي الوقت نفسه ضمان الالتزام بالمعايير العلمية والمهنية والضوابط المنظمة للعلاج النفسي.