القاهرة مباشر

بعد أكثر من نصف قرن على رحيله.. لماذا ما زال إسماعيل ياسين يضحك المصريين؟

الثلاثاء 15 سبتمبر 2026 10:14 صـ 2 ربيع آخر 1448 هـ
اسماعيل ياسين
اسماعيل ياسين

في مثل هذا اليوم، 15 سبتمبر عام 1912، وُلد إسماعيل ياسين، أحد أبرز وأشهر نجوم الكوميديا في تاريخ الفن المصري، فنان لم يكتفِ بصناعة الضحكة، وإنما نجح في تأسيس مدرسة فنية خاصة ارتبطت بملامحه وصوته وحركاته وطريقته المميزة في الأداء، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من ذاكرة المصريين.

ورحل «أبو ضحكة جنان» في 24 مايو 1972، إلا أن رحيله لم ينهِ حضوره، فبعد أكثر من نصف قرن لا تزال أفلامه تُعرض، ولا تزال مواقفه وإفيهاته تثير ضحكات الجمهور، بينما ظل لقب «سمعة» ملازمًا له في وجدان محبيه.

من السويس إلى شارع محمد علي

لم تكن رحلة إسماعيل ياسين نحو النجومية سهلة، فقد وُلد في مدينة السويس، وعاش طفولة قاسية بعد وفاة والدته ودخول والده السجن، ما دفعه إلى ترك التعليم والعمل في عدد من المهن بحثًا عن مصدر للرزق.

وفي سن صغيرة، اتجه إلى القاهرة، وعاش فترة في منطقة شارع محمد علي، التي كانت في ذلك الوقت من أبرز مراكز الموسيقى والاستعراض في مصر.

عمل إسماعيل ياسين في بداياته بالمقاهي، واحتك بعالم الفنانين والموسيقيين والمنولوجستات، قبل أن يبدأ في اكتشاف طريقه الحقيقي إلى عالم الفن.

وكانت فرقة بديعة مصابني إحدى أهم المحطات في حياته، بعدما انضم إليها لتقديم المونولوجات، وهناك بدأ اسمه في الانتشار تدريجيًا، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى الإذاعة والمسرح والسينما.

أبو السعود الإبياري.. عقل الكوميديا وراء «سمعة»

إذا كان إسماعيل ياسين يمثل الوجه والروح والحضور، فإن أبو السعود الإبياري كان واحدًا من أبرز العقول التي ساهمت في صناعة عالمه الكوميدي.

جمع الثنائي علاقة صداقة وشراكة فنية استثنائية امتدت من المسرح إلى السينما، وتمكن الإبياري من فهم شخصية إسماعيل ياسين جيدًا، ومعرفة كيفية توظيف صوته وحركاته وملامحه وردود أفعاله في صناعة الموقف الكوميدي.

وكانت قدرة الإبياري على كتابة «الإفيه» ووضعه في التوقيت المناسب، إلى جانب قدرة إسماعيل ياسين على تقديمه بطريقته الخاصة، من أهم أسباب نجاح هذا الثنائي.

وقدما معًا عددًا كبيرًا من الأفلام، من بينها «إسماعيل ياسين في الجيش» و«إسماعيل ياسين في الطيران» و«إسماعيل ياسين في البوليس» وغيرها من الأعمال الشهيرة.

وامتدت شراكتهما إلى المسرح أيضًا، حيث أسسا فرقة حملت اسم إسماعيل ياسين وقدمت عشرات العروض.

فطين عبد الوهاب.. الضلع الثالث في صناعة الأسطورة

لم تكتمل تجربة إسماعيل ياسين وأبو السعود الإبياري دون المخرج فطين عبد الوهاب، الذي أصبح ضلعًا ثالثًا في واحدة من أهم التجارب الكوميدية في تاريخ السينما المصرية.

ومنذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، تعاون الثلاثي في مجموعة من الأعمال التي تحولت إلى علامات بارزة في تاريخ الكوميديا.

واستطاع فطين عبد الوهاب فهم لغة إسماعيل ياسين، وتحويل أفكار الإبياري وشخصية البطل إلى مشاهد سينمائية تعتمد على الحركة والإيقاع والتفاصيل.

ومن أبرز الأعمال التي جمعتهم «ابن حميدو» عام 1957، و«إسماعيل ياسين في الأسطول»، و«الفانوس السحري»، و«الفرسان الثلاثة»، إلى جانب عدد كبير من الأفلام الأخرى.

وتبرز هنا معادلة الثلاثي بوضوح: الإبياري يكتب، وإسماعيل ياسين يجسد، وفطين عبد الوهاب يحول الكوميديا إلى صورة وحركة وإيقاع.

رياض القصبجي.. «الشاويش عطية» شريك الضحكة

ومن أبرز الفنانين الذين ارتبطوا باسم إسماعيل ياسين في ذاكرة الجمهور الفنان رياض القصبجي، الذي اشتهر إلى جواره بشخصية «الشاويش عطية».

وكان الصدام بين «سمعة» المرتبك والخائف في كثير من المواقف، و«الشاويش عطية» الغاضب دائمًا، من أشهر الوصفات الكوميدية التي رسخت في ذاكرة الجمهور.

ومع تكرار ظهورهما معًا، أصبح القصبجي جزءًا أساسيًا من عالم إسماعيل ياسين، إلى جانب فنانين كبار مثل زينات صدقي وعبد الفتاح القصري وحسن فايق وعبد السلام النابلسي.

ولم تكن هذه الشخصيات مجرد أدوار مساندة، وإنما امتلك كل منها ملامحه الخاصة، ومع اجتماعها مع إسماعيل ياسين كانت تتشكل حالة كوميدية لا تزال حاضرة حتى اليوم.

من الرجل الثاني إلى نجم الشباك

دخل إسماعيل ياسين عالم السينما عام 1939 من خلال فيلم «خلف الحبايب»، وبدأ بأدوار مساندة، قبل أن تتصاعد نجوميته تدريجيًا حتى أصبح واحدًا من أبرز نجوم الشباك في مصر.

ومن أشهر أعماله «المليونير»، و«عفريتة إسماعيل ياسين»، و«ابن حميدو»، و«العتبة الخضراء»، و«الفانوس السحري»، وغيرها من الأفلام التي أصبحت من كلاسيكيات الكوميديا المصرية.

لكن ربما كان الإنجاز الأكثر تميزًا في مسيرته هو تحول اسمه نفسه إلى عنوان للفيلم.

إسماعيل ياسين.. اسم تحول إلى علامة كوميدية

من «إسماعيل ياسين في الجيش» إلى «إسماعيل ياسين في البوليس»، و«إسماعيل ياسين في الطيران»، و«إسماعيل ياسين في الأسطول»، و«إسماعيل ياسين في البحرية»، و«إسماعيل ياسين في مستشفى المجانين»، و«إسماعيل ياسين في دمشق»، و«إسماعيل ياسين طرزان»، و«إسماعيل ياسين للبيع»، أصبح اسم الفنان وحده كافيًا لجذب الجمهور إلى دور العرض.

ولم يعد إسماعيل ياسين مجرد بطل للفيلم، بل أصبح اسمه نفسه علامة تجارية كوميدية ترتبط بالضحك وتدفع الجمهور إلى مشاهدة العمل.

مدرسة فنية يصعب تقليدها

لم يكن سر بقاء إسماعيل ياسين في ذاكرة الجمهور قائمًا على الإفيهات وحدها، وإنما على امتلاكه شخصية فنية متكاملة.

كان قادرًا على إثارة الضحك بمجرد ظهوره على الشاشة، حتى قبل أن ينطق بكلمة. ملامحه وصوته وحركته وارتباكه وخوفه وطريقته في الجري والوقوف والكلام، كلها تحولت إلى أدوات كوميدية خاصة به.

ولهذا أصبحت مدرسته صعبة التقليد؛ فربما يستطيع فنان تقليد صوته أو حركته، لكنه يصعب عليه إعادة إنتاج الحالة الكوميدية التي صنعها إسماعيل ياسين.

وكان المسرح مساحة أخرى اقترب من خلالها من الجمهور، حيث قدم مع فرقته عشرات الأعمال، بينما ظلت السينما الوسيلة الأهم التي وثقت مشواره وحافظت على حضوره أمام أجيال متعاقبة.

«أبو ضحكة جنان».. ضحكة لم تمت

رغم الشهرة والنجاح، لم تكن السنوات الأخيرة في حياة إسماعيل ياسين سهلة، إذ واجه أزمات مالية وتراجعًا في نجوميته مع التغيرات التي طرأت على صناعة الفن، واضطر إلى حل فرقته المسرحية، قبل أن يعيش فترة صعبة انتهت برحيله عام 1972.

لكن المفارقة أن الفنان الذي مر بظروف قاسية في حياته ترك وراءه واحدة من أكثر التجارب الفنية ارتباطًا بالبهجة والضحك.

لم يكن إسماعيل ياسين مجرد ممثل كوميدي؛ كان مدرسة وصناعة واسمًا تحول إلى علامة.

بدأ مشواره من مقاهي شارع محمد علي، ووقف أمام جمهور المسرح، ثم دخل السينما من أدوار صغيرة، حتى أصبح نجمًا تتصدر صورته أفيشات الأفلام، بل تحول اسمه إلى عنوان لسلسلة كاملة من الأعمال.

ولهذا، فإن استعادة سيرة إسماعيل ياسين لا تعني مجرد إحياء ذكرى فنان رحل، وإنما استعادة زمن كانت فيه الضحكة صناعة متكاملة، يقف وراءها كاتب يعرف كيف يصنعها، ومخرج يعرف كيف يحولها إلى صورة، وفنان يمنحها حضوره وروحه.

رحل إسماعيل ياسين، لكن «سمعة» الذي عرفه الجمهور على الشاشة ما زال حاضرًا، وما زالت ضحكته تعبر الزمن وتصل إلى أجيال لم تعاصره، وكأن الكوميديا التي صنعها لم تعرف طريقًا إلى الرحيل.