القاهرة مباشر

الاستثمار والبنوك وأرشفة الفتاوى.. تفاصيل دورة جديدة في دار الإفتاء المصرية

الخميس 10 سبتمبر 2026 02:31 مـ 27 ربيع أول 1448 هـ
دار الإفتاء
دار الإفتاء

تواصل دار الإفتاء المصرية أعمال الدورة التدريبية بعنوان «منهجية دار الإفتاء المصرية في فتاوى المعاملات المالية»، في إطار توجيهات الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، من خلال برنامج علمي يجمع بين التأصيل الشرعي والفهم الاقتصادي واللغوي والتقني، بهدف إعداد كوادر قادرة على التعامل مع القضايا المالية والمصرفية المستجدة.

وتتناول الدورة عددًا من المحاور المرتبطة بصناعة الفتوى المعاصرة، من بينها فهم طبيعة الاستثمار وأدواته، ودراسة المعاملات البنكية وتكييفها فقهيًا، إلى جانب توظيف علوم اللغة في فهم النصوص الشرعية، وتوثيق الفتاوى وأرشفتها والاستفادة من المعرفة المتراكمة في تطوير العمل الإفتائي.

الاستثمار بين الرؤية الشرعية والاقتصادية

وخلال محاضرة بعنوان «الاستثمار: أدواته وأشكاله»، استعرض الدكتور فياض عبد المنعم، المستشار المالي لمفتي الجمهورية ووزير المالية الأسبق، مفهوم الاستثمار من المنظورين الإسلامي والاقتصادي، موضحًا أن المال في التصور الإسلامي وسيلة لتحقيق النفع وليس غاية في ذاته، وأن الشريعة حثت على تنميته واستثماره فيما يحقق الخير.

وتناول النشاط الاقتصادي باعتباره منظومة تشمل الإنتاج والاستهلاك والادخار والاستثمار، مشيرًا إلى أن قوة الاقتصاد ترتبط بقدرته على تحويل الموارد والإمكانات إلى إنتاج حقيقي، بينما يمثل الاستثمار أحد المحركات الأساسية للنمو من خلال زيادة الطاقة الإنتاجية وخلق فرص العمل ودعم التنمية.

كما استعرض أبرز أدوات الاستثمار المشروعة، ومنها العقارات والأراضي والذهب والسلع، والأسهم في الشركات ذات الأنشطة المباحة، والصكوك وصناديق الاستثمار والوقف، مع التأكيد على ضرورة مراعاة الضوابط الشرعية وطبيعة الأصول ومصادر العائد.

وأشار إلى أن الشريعة لم تضع قالبًا جامدًا للاستثمار، وإنما أرست مجموعة من القواعد والضوابط التي تسمح بتطوير أدوات استثمارية جديدة بما يتوافق مع أحكامها ومقاصدها.

اللغة العربية ودورها في فهم النصوص الشرعية

وفي محاضرة «أثر اللغة في فهم النص الشرعي»، أكد الدكتور عبد الفتاح حبيب، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، أن اللغة العربية تمثل أداة أساسية لفهم القرآن الكريم والسنة النبوية وسائر النصوص الشرعية، موضحًا أن علوم اللغة من علوم الآلة التي يحتاج إليها الفقيه والمفتي والباحث.

وأوضح أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، وهو ما يجعل ضعف المعرفة باللغة سببًا محتملًا للخطأ في فهم النص ثم الخطأ في استنباط الحكم الشرعي.

وتناول تأثير اللغة في عملية الاستنباط من خلال فهم دلالات الألفاظ، والتمييز بين الأمر والنهي والإباحة، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، إلى جانب دراسة الحقيقة والمجاز والإعراب والأساليب البلاغية، مثل التقديم والتأخير والحذف والكناية.

وأكد أن إتقان العربية لا يقتصر على حفظ المفردات والقواعد النحوية والصرفية، وإنما يشمل فهم أساليب العرب وطرائقهم في التعبير، بما يساعد المفتي والباحث على قراءة النص في سياقه الصحيح.

خبير مصرفي: الحكم الشرعي يرتبط بحقيقة المعاملة

وفي محور المعاملات المصرفية، تناول الدكتور محمد إبراهيم البلتاجي، خبير الاقتصاد المالي والمصارف الإسلامية، موضوع «المعاملات المالية والاستثمارية في القطاع المصرفي - المعاملات البنكية»، مستعرضًا طبيعة العمل المصرفي وأبرز المنتجات والخدمات التي تقدمها البنوك.

وأوضح أن الحكم الشرعي لا يتعلق بالبنك باعتباره كيانًا واحدًا، وإنما يرتبط بطبيعة كل معاملة وعقد على حدة، وهو ما يستلزم دراسة المنتج المصرفي وفهم حقيقته وآلية تنفيذه ثم تكييفه فقهيًا قبل إصدار الحكم الشرعي بشأنه.

وتناول عددًا من المنتجات المصرفية التي تحتاج إلى دراسة مستقلة، ومنها حسابات التوفير والودائع وشهادات الاستثمار والتمويل والقروض وبطاقات الائتمان والتحويلات والاعتمادات المستندية، مع أهمية النظر إلى مصدر العائد وطبيعة العلاقة التعاقدية وآلية تنفيذ المعاملة.

ويتوافق هذا المنهج مع ما تؤكده دار الإفتاء في تناولها للمعاملات البنكية، إذ تشير إلى أن العبرة بحقيقة المعاملة والعقود وآثارها، وليس بمجرد المسميات المستخدمة في وصفها.

أرشفة الفتاوى تحفظ ذاكرة دار الإفتاء

وفي محاضرة «آليات وطرق أرشفة الفتاوى»، تناول الشيخ حازم داود، مدير إدارة التدقيق اللغوي بدار الإفتاء المصرية، أهمية التوثيق والأرشفة في العمل الإفتائي، موضحًا أن الأرشيف يمثل ذاكرة المؤسسة ويسهم في حفظ المعرفة وتراكم الخبرات والاستفادة منها في التعامل مع المسائل المستجدة.

واستعرض مراحل توثيق الفتاوى في دار الإفتاء المصرية، موضحًا أن الفتاوى كانت تحفظ في صورتها الورقية منذ عام 1895 وحتى عام 2002، قبل التوسع في تنظيم هذا التراث وأرشفته.

وأشار إلى أن أرشيف دار الإفتاء يضم حاليًا نحو 120 ألف فتوى موثقة، إلى جانب جهود نشر التراث الإفتائي، ومنها طباعة فتاوى الشيخ محمد المهدي العباسي في 20 مجلدًا، بما يوفر مادة علمية مهمة للباحثين والدارسين.

الأرشفة الرقمية والذكاء الاصطناعي في خدمة الفتوى

وأوضح الشيخ حازم داود أن الأرشفة لا تقتصر على حفظ الوثائق، وإنما تستهدف بناء قاعدة معرفية مؤسسية تتيح للمفتي والباحث وطلاب الدراسات العليا الرجوع إلى الفتاوى السابقة والاستفادة منها، مع مراعاة اختلاف الوقائع والظروف من حالة إلى أخرى.

وأشار إلى أهمية الانتقال من الأرشيف الورقي إلى الرقمي، لما يوفره من سرعة في البحث والاسترجاع وإمكانات أكبر للتصنيف والفهرسة والربط بين الفتاوى والموضوعات والمصادر.

كما تناول دور التطور المتسارع في تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي في تطوير مفهوم الأرشفة، بحيث لا تقتصر على التخزين، وإنما تمتد إلى التنظيم والتحليل والاسترجاع بكفاءة أكبر، بما يحافظ على التراث الإفتائي ويجعله أكثر قابلية للاستفادة العلمية.

منهج متكامل لصناعة الفتوى المعاصرة

وتتكامل محاور الدورة التدريبية في تقديم رؤية موسعة لمنظومة صناعة الفتوى، تبدأ بفهم الواقع الاقتصادي والاستثماري، مرورًا بدراسة المعاملات المصرفية وتكييفها فقهيًا، والاستناد إلى أدوات اللغة العربية في فهم النصوص، وصولًا إلى توثيق الفتاوى وأرشفتها والاستفادة من تراكم الخبرة المؤسسية.

وتسعى الدورة إلى إعداد مفتين وباحثين قادرين على الجمع بين التأصيل الشرعي وفهم الواقع والاستفادة من العلوم المتخصصة والتقنيات الحديثة، بما يعزز قدرة دار الإفتاء المصرية على التعامل مع النوازل والقضايا المالية المستجدة، مع الحفاظ على الثوابت الشرعية ومراعاة مصالح الناس.