القاهرة مباشر

فلاح ومؤثر وتاجر إلكتروني.. السوشيال ميديا تغير مفهوم العمل في الريف

الأربعاء 9 سبتمبر 2026 09:23 مـ 26 ربيع أول 1448 هـ
أرض ريفية
أرض ريفية

تحققت من الاتجاه العام للموضوع؛ فالدراسات الحديثة وتقارير منظمة الأغذية والزراعة ووسائل إعلام دولية ترصد بالفعل صعود ما يعرف بـ«المؤثرين الزراعيين»، واستخدام المزارعين للفيديوهات القصيرة والبث المباشر في عرض حياتهم اليومية وتسويق المنتجات وتبادل الخبرات، مع تسارع هذا الاتجاه منذ فترة جائحة كورونا. 

تحتفل مصر في التاسع من سبتمبر من كل عام بعيد الفلاح، تقديرًا للدور الذي يقوم به المزارع المصري في دعم الاقتصاد وتوفير الغذاء، وهي المناسبة التي ترتبط بذكرى صدور قانون الإصلاح الزراعي عام 1952.

ومع التطور التكنولوجي وانتشار الهواتف الذكية والإنترنت، لم تعد علاقة بعض المزارعين بالتكنولوجيا تقتصر على استخدامها في الزراعة أو معرفة أسعار المحاصيل، إذ ظهر خلال السنوات الأخيرة نموذج جديد يجمع بين العمل في الأرض وصناعة المحتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وبات عدد من أبناء القرى والمناطق الريفية يوثقون تفاصيل حياتهم اليومية من داخل الأراضي الزراعية والمنازل والحظائر، وينشرون مقاطع الفيديو عبر «تيك توك» و«يوتيوب» و«إنستجرام» و«فيسبوك»، لتتحول الحياة التي يعتبرونها عادية إلى محتوى يجذب آلاف وربما ملايين المشاهدات.

الفلاح يتحول إلى صانع محتوى

وقال المهندس محمود فرج، مستشار التحول الرقمي وخبير تكنولوجيا وأمن المعلومات، إن أبناء الريف يمتلكون فرصة كبيرة للوصول إلى الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي دون الحاجة إلى إمكانات إنتاجية مرتفعة.

وأوضح أن الهاتف المحمول أصبح قادرًا على تقديم جودة تصوير مرتفعة، فيما يمكن للمزارع الاعتماد على البيئة المحيطة به باعتبارها عنصرًا بصريًا جذابًا، سواء من خلال الأراضي الزراعية أو الحيوانات أو تفاصيل المنزل الريفي والحياة اليومية.

وأشار إلى أن هذا النوع من المحتوى لا يحتاج بالضرورة إلى استوديو أو معدات تصوير معقدة، إذ يمكن إنتاج مقاطع فيديو باستخدام الهاتف وحامل بسيط، بينما توفر الطبيعة نفسها الخلفية والمحتوى.

لماذا تجذب فيديوهات الريف المشاهدين؟

ويرى فرج أن أحد أسباب انتشار هذا النوع من الفيديوهات هو شعور الجمهور بأنها تعكس حياة حقيقية بعيدة عن التصنع والمبالغة التي تظهر أحيانًا في بعض أنواع المحتوى الرقمي.

ويظهر المزارع أمام الجمهور أثناء الزراعة أو جمع المحاصيل أو إطعام الحيوانات أو تجهيز منتجات المنزل الريفي، وهي تفاصيل قد تبدو يومية بالنسبة إلى سكان القرى، لكنها تمثل تجربة مختلفة بالنسبة إلى قطاعات من سكان المدن.

وتدعم دراسات أكاديمية هذا الاتجاه، إذ تشير أبحاث تناولت استخدام المزارعين لمواقع التواصل إلى أن المنصات الرقمية أتاحت تقديم صورة مباشرة ومن قلب الحدث عن حياة المزارع والعمل الزراعي، وكشفت تفاصيل كانت بعيدة عن الجمهور غير العامل في القطاع.

«المحتوى الحقيقي» في مواجهة الفيديوهات المصنعة

وأوضح خبير التكنولوجيا أن تزايد انتشار المحتوى المصنوع باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومن بينها مقاطع الفيديو المزيفة أو المعدلة، ساهم في زيادة اهتمام شريحة من الجمهور بالمشاهد الطبيعية والعفوية.

ويرى أن ظهور الأشخاص داخل منازلهم أو حقولهم، والتحدث بطريقتهم ولهجتهم المعتادة، قد يعزز شعور المشاهد بالقرب من صاحب المحتوى.

كما تلعب اللهجات المحلية دورًا في تشكيل هوية الفيديو، سواء اللهجة الريفية أو الصعيدية، إذ يجد بعض المتابعين فيها عنصرًا مألوفًا وجاذبًا، خاصة أبناء المناطق نفسها.

من زراعة المحصول إلى بيعه عبر الإنترنت

ولا تتوقف الفرص الاقتصادية أمام المزارع صانع المحتوى عند العائد الذي يمكن تحقيقه من الإعلانات أو المشاهدات، وإنما يمكن أن تتحول حساباته إلى وسيلة لتسويق منتجاته بصورة مباشرة.

وأشار محمود فرج إلى إمكانية استخدام هذه المنصات في عرض منتجات مثل السمن البلدي والجبن والحليب والعسل والخضروات والفاكهة، بالإضافة إلى المنتجات المنزلية والحرف والمشغولات اليدوية.

وبذلك يمكن لصاحب المحتوى تكوين قاعدة من العملاء والمتابعين، ثم الاستفادة منها في البيع المباشر بدلًا من الاعتماد فقط على الوسطاء أو قنوات التسويق التقليدية.

وتظهر تجارب دولية بالفعل استخدام مزارعين لمنصات مثل «تيك توك» لبيع جزء كبير من إنتاجهم الزراعي مباشرة إلى العملاء، إلى جانب استخدامها لتبادل المعلومات والنصائح المتعلقة بالزراعة.

فرصة للسياحة الريفية

ويمتد الجانب الاقتصادي إلى مجال آخر يتمثل في السياحة الريفية، إذ تستطيع الحسابات الناجحة تقديم القرية والمزرعة باعتبارهما تجربة سياحية يمكن للجمهور زيارتها.

وتوفر الحياة الريفية عناصر جذابة لسكان المدن، من بينها المساحات الخضراء والطعام الريفي والحيوانات والأنشطة الزراعية والهدوء بعيدًا عن الازدحام.

ويمكن لأصحاب المزارع استثمار هذا الاهتمام من خلال تنظيم زيارات وتجارب مرتبطة بالحصاد أو إعداد الطعام أو الحياة الزراعية، بما يخلق مصادر دخل إضافية إلى جانب النشاط الأساسي للمزرعة.

كورونا سرّعت التحول إلى المنصات الرقمية

وشكلت جائحة كورونا نقطة تحول مهمة في استخدام التكنولوجيا داخل العديد من القطاعات التقليدية، ومنها الزراعة.

وخلال فترات الإغلاق وصعوبة الحركة، اتجه مزارعون في دول مختلفة إلى الإنترنت لعرض المحاصيل والبحث عن أسواق جديدة ومشاركة تجاربهم اليومية.

كما استخدمت جهات دولية المنصات الرقمية للوصول إلى صغار المزارعين بالمعلومات المتعلقة بالإنتاج والتسويق والإجراءات الصحية، وهو ما ساهم في ترسيخ استخدام الهاتف والإنترنت كأدوات مرتبطة بالعمل الزراعي.

ظهور «المؤثر الزراعي»

وخلال السنوات الأخيرة، ظهر مصطلح «المؤثر الزراعي» أو Agri-influencer لوصف المزارعين والمتخصصين الذين يستخدمون مواقع التواصل لنشر الخبرات وعرض الحياة الزراعية والوصول إلى جمهور واسع.

وفي فبراير 2026، رصد تقرير لشبكة ABC الأسترالية عددًا من المزارعين الذين حولوا تفاصيل العمل اليومي في الحقول إلى محتوى يتابعه الآلاف، بهدف تقريب المسافة بين سكان المدن والمجتمعات الريفية.

كما رصدت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة استخدام مؤثرين شباب في أفريقيا للمنصات الرقمية لتغيير الصورة النمطية عن الزراعة وتشجيع الشباب على دخول القطاع.

الفلاح أمام مصدر دخل جديد

ويكشف صعود المحتوى الريفي عن تغير في الصورة التقليدية لمصادر دخل المزارع، إذ أصبح من الممكن أن يجمع بين إنتاج المحاصيل وصناعة المحتوى والتجارة الإلكترونية والتسويق.

وقد تتحول المشاهدات الكبيرة إلى إيرادات إعلانية، بينما تمنح قاعدة المتابعين المزارع فرصة أكبر لتسويق منتجاته أو علامته التجارية أو مشروعه الريفي.

لكن حجم الأرباح لا يكون ثابتًا، ويختلف باختلاف المنصة وعدد المشاهدات ونوعية الجمهور والدولة وشروط تحقيق الدخل، لذلك لا يمكن اعتبار صناعة المحتوى بديلًا مضمونًا للزراعة بالنسبة إلى كل مزارع.

المزرعة تتحول إلى منصة إعلامية

ومع دخول أجيال أصغر إلى القطاع الزراعي وامتلاكها خبرة أكبر في استخدام الهواتف والمنصات الرقمية، يتوقع أن يصبح الفصل بين «المزارع» و«صانع المحتوى» أقل وضوحًا.

فالمزارع لم يعد مضطرًا إلى انتظار وسيلة إعلام لتنقل قصته، إذ أصبح قادرًا على تصوير الحصاد أو مشكلة تواجه محصوله أو تجربة ناجحة داخل مزرعته ونقلها مباشرة إلى الجمهور.

وهكذا تفتح التكنولوجيا بابًا جديدًا أمام الفلاح؛ يبدأ من توثيق يومه في الحقل، وقد ينتهي ببناء جمهور وعلامة تجارية وسوق لمنتجاته، لتصبح الأرض نفسها خلفية لمحتوى قادر على تحقيق عائد اقتصادي جديد إلى جانب عائدها الزراعي.