القاهرة مباشر

من قصر العيني إلى ساحات القتال.. حكاية الجراح محمد فوزي بك

الثلاثاء 8 سبتمبر 2026 01:18 مـ 25 ربيع أول 1448 هـ
دكتور محمد فوزي بك
دكتور محمد فوزي بك

لم يكن قصر العيني مجرد مدرسة لتخريج الأطباء، بل كان مصنعًا لقامات طبية خرجت من قاعات الدراسة إلى ميادين الحرب لإنقاذ الأرواح، ومن بين هؤلاء يبرز اسم الدكتور محمد فوزي بك، أحد أبرز جراحي قصر العيني في القرن التاسع عشر، الذي جمع بين التفوق العلمي والمهارة الجراحية، وحمل مشرطه إلى ميادين حرب الحبشة ليعالج المصابين في ظروف بالغة الصعوبة، قبل أن يحظى بتقدير مصري وفرنسي تُوّج بمنحه وسام جوقة الشرف الفرنسي.

وفي إطار سلسلة 200 عام على إنشاء قصر العيني، وبمناسبة اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيسه، أعلن قصر العيني إصدار سلسلة مقالات أسبوعية تروي حكايات تأسيس أول مدرسة للطب في مصر.

قصة الدكتور محمد فوزي بك جراح ميادين الحرب

تواصل هذه الحلقة من سلسلتنا التاريخية توثيق مسيرة أعلام الطب المصري الذين أسهموا في بناء مدرسة قصر العيني وترسيخ مكانتها العلمية. ونسلط الضوء اليوم على سيرة الدكتور محمد فوزي بك (1826–1891م)، الذي شكّل مع الدكتور محمد دري باشا أبرز ثنائي جراحي تولّى تدريس هذا التخصص خلال حقبة مهمة من تاريخ المدرسة، وهي من القامات الوطنية التي آثرنا إبرازها قبل الانتقال إلى سرد مرحلة النفوذ الأجنبي.

وُلد محمد فوزي بك عام 1826م في قرية منية النصر، التابعة لمركز طلخا بمحافظة الدقهلية. وتلقى مبادئ القراءة والتعليم الأولي في كُتّاب القرية، ثم انتقل إلى القاهرة ليلتحق بالمدرسة الأميرية في شارع الناصرية. ونظرًا لما أظهره من ذكاء وتفوق استثنائيين، أُلحق بمدرسة الطب بقصر العيني في سن مبكرة، متجاوزًا شرط السن المعتاد للالتحاق بها.

وبعد أن اتسعت معارفه الطبية في قصر العيني، اختير ضمن البعثات العلمية الموفدة إلى فرنسا لاستكمال دراسة العلوم الطبية والتخصص في أصول الجراحة. وهناك أثبت كفاءة علمية ومهارة جراحية نالتا إشادة أساتذته، قبل أن يعود إلى مصر وينضم إلى هيئة التدريس بمدرسة الطب مدرسًا للجراحة الصغرى.

وسار الدكتور محمد فوزي بك جنبًا إلى جنب مع الدكتور محمد دري باشا، ليشكّل الطبيبان فريقًا تدريسيًا وجراحيًا متكاملًا في مدرسة قصر العيني. ومع اتساع الطاقة الاستيعابية لأقسام الجراحة بالمستشفى، قُسّمت أسرّة الجراحة بينهما بالتساوي؛ فخُصص قسم للدكتور دري باشا وآخر للدكتور فوزي بك، ليصبحا الشريكين الأساسيين في تأسيس تدريس الجراحة ونقل علومها وخبراتها إلى طلاب المدرسة.

ولم يقتصر دور الدكتور محمد فوزي بك على أروقة المستشفى وقاعات التدريس، بل امتد إلى ميادين الحرب، مجسدًا التزام قصر العيني برسالته الإنسانية والطبية في مواجهة الحروب والكوارث. فقد شارك ميدانيًا طبيبًا جراحًا مع الجيش المصري خلال حرب الحبشة، وقدم نموذجًا مبكرًا لحضور قصر العيني في الإغاثة الطبية خارج الحدود، حيث أجرى العمليات الجراحية للمصابين في ظل ظروف ميدانية شديدة الصعوبة.

وعندما انضم الدكتور «ملتون» إلى خدمة قصر العيني عام 1884م، اعتمد على الخبرة الجراحية الكبيرة للدكتور فوزي بك، وكان يحترم آراءه الطبية ويعرب عن تقديره لمهارته الفائقة في إجراء العمليات الجراحية.

نال الدكتور محمد فوزي بك خلال سنوات خدمته الرتبة الثانية، وحصل على عدد من النياشين والميداليات. كما منحته الحكومة الفرنسية وسام جوقة الشرف «ليجيون دونور» بدرجة فارس، تقديرًا لإسهاماته العلمية والطبية. وإلى جانب مكانته العلمية الرفيعة، عُرف بين طلابه بتقديم العون والرعاية لهم، وبزهده وعزوفه عن المقابل المادي.

توفي الدكتور محمد فوزي بك في السادس من يوليو عام 1891م، إثر إصابته بمرض في القلب. وقد رثاه تلميذه الدكتور السيد بك رفعت بقصيدة شعرية حملت عنوان «زفرات الدموع وبث اللواعج».

وتبقى مسيرته شاهدًا على أن دور قصر العيني، منذ سنواته الأولى، لم يقتصر على التعليم والعلاج داخل جدرانه، بل امتد إلى ميادين الحروب ومواقع الكوارث، حاملًا رسالته الطبية والإنسانية إلى كل مكان تدعو فيه الحاجة إلى إنقاذ الإنسان وصون حياته.