القاهرة مباشر

الحرب تغيّر موائد السودانيين.. الورل والسلاحف والقنافذ بدائل للحوم

الإثنين 7 سبتمبر 2026 10:03 صـ 24 ربيع أول 1448 هـ
أرشيفية
أرشيفية

لم تتوقف تداعيات الحرب في السودان عند تغيير خريطة السكن والعمل وحركة السكان، بل امتدت إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، بما فيها ما يوضع على موائد الأسر. ومع تفاقم الأزمة الغذائية وارتفاع أسعار اللحوم ونقصها في عدد من المناطق، بدأ بعض السكان يبحثون عن مصادر غذاء غير معتادة لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وفي مناطق سودانية مختلفة، ظهرت حالات اعتماد على حيوانات برية وزواحف وطيور لم تكن ضمن مصادر الغذاء التقليدية لدى قطاعات واسعة من السكان، من بينها الورل والسلاحف والقنافذ والأرانب البرية وبعض الطيور.

ومع اتساع نطاق الصيد في ظل ظروف الحرب، انتقل الورل، الذي اعتاد السكان رؤيته على ضفاف الأنهار ومجاري المياه، إلى أواني الطهي، كما عادت حيوانات برية أخرى إلى موائد بعض الأسر، إما بفعل الحاجة الناتجة عن تراجع مصادر الغذاء وارتفاع أسعارها، أو بسبب عادات غذائية قديمة لا تزال معروفة في بعض المناطق الريفية.

عادات غذائية متوارثة في بعض المناطق

لا تمثل هذه الممارسات ظاهرة جديدة بالكامل في السودان، إذ عرفت مناطق محددة منذ سنوات تناول بعض الحيوانات والزواحف البرية، وارتبطت هذه الممارسات بعادات غذائية متوارثة داخل مجتمعات محلية.

إلا أن الحرب وما رافقها من نزوح وارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية ونقص اللحوم، أسهمت في توسيع نطاق هذه الممارسات، ودَفعت أشخاصاً لم يعتادوا تناول هذه الحيوانات إلى البحث عنها باعتبارها مصدراً بديلاً للغذاء في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة.

وقال الدكتور الصادق سليمان، الخبير المختص في الحياة البرية، في تصريحات صحفية، إن تناول بعض الحيوانات والزواحف البرية ليس ظاهرة مستحدثة في السودان، وإنما تعرفه مناطق محددة منذ سنوات.

وأوضح أن هناك صيادين متخصصين في الزواحف بمناطق محمية الدندر وقرى نهر الرهد، مشيراً إلى أن بعضهم يتناول الأصلة والورل، في حين يأكل سكان آخرون لحوم السلاحف. وأضاف أن إحدى القبائل في جنوب كردفان تتناول الثعابين باعتبار ذلك جزءاً من ثقافة غذائية قديمة ومتوارثة.

وفي الوقت نفسه، حذر سليمان من المخاطر الصحية المرتبطة بتناول لحوم الزواحف والحيوانات البرية، موضحاً أنها قد تحمل أنواعاً خطرة من البكتيريا، من بينها السالمونيلا، التي يمكن أن تؤدي إلى الإصابة بالتسمم الغذائي.

من العادة إلى الحاجة

وفي ولاية النيل الأبيض، يبدو ارتباط تناول بعض الحيوانات البرية بالعادات الغذائية القديمة أكثر وضوحاً. وقال بلة علي طامح، أحد سكان المنطقة، في تصريحات صحفية، إن تناول بعض هذه الحيوانات معروف محلياً، وإنها كانت موجودة على موائد بعض السكان حتى قبل اندلاع الحرب.

ويشير ذلك إلى أن تناول هذه الحيوانات لا يرتبط بالجوع وحده، وإنما يدخل أيضاً ضمن عادات غذائية متوارثة في بعض المجتمعات السودانية.

بدوره، أوضح الطبيب البيطري الوليد علي أن تناول لحوم الورل والقنافذ، المعروفة محلياً باسم «أبوشوك»، ارتبط تاريخياً بمناطق النيل الأبيض، أو «بحر أبيض» كما يسميها السودانيون، وهي المنطقة التي تضم أحد الرافدين الرئيسيين المكونين لنهر النيل.

لكن الحرب أضافت، بحسب علي، بُعداً جديداً إلى هذه الممارسات، بعدما دفعت تداعياتها الكارثية بعض السكان إلى البحث عن أي مصدر متاح للغذاء.

وأوضح أن ذلك شمل الصيد البري، المعروف محلياً باسم «صيد الخلاء»، إلى جانب الاحتطاب لتوفير وقود النار، في ظل تراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية.

وأضاف أن النزوح وتراجع مصادر الغذاء قد يدفعان بعض السكان إلى صيد الحيوانات البرية، خصوصاً أن لحومها قد تكون أقل تكلفة من اللحوم التقليدية التي ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة أو أصبحت نادرة في بعض المناطق.

الورل.. من الحياة البرية إلى المائدة

يُعد الورل من السحالي الكبيرة المنتشرة في مناطق مختلفة من السودان، ويتميز بجسم قوي وذيل عضلي وأطراف مزودة بمخالب حادة.

ويلعب الورل دوراً مهماً في النظام البيئي، إذ يتغذى على الحشرات والزواحف والبيض والقوارض والحيوانات الصغيرة، إلا أن هذا الدور البيئي لم يمنع بعض الصيادين من اصطياده وتحويله إلى مصدر للغذاء.

وقال أحد العارفين بصيد الورل، في تصريحات صحفية، إن لحم الحيوان أبيض اللون ويشبه في مظهره لحم التماسيح، موضحاً أنه بعد اصطياده وتجهيزه يوضع على النار حتى ينضج، ويمكن إضافة الزيت والملح والتوابل إليه.

وأشار إلى أن موسم صيد الورل يبدأ تقريباً من نوفمبر ويستمر حتى مارس، فيما تتفاوت أحجام الحيوانات التي يجري اصطيادها، إذ تتراوح أوزان بعضها بين كيلوغرامين وثلاثة كيلوغرامات، بينما قد يتجاوز وزن بعضها الآخر 10.5 كيلوغرام.

ولا يخلو صيد الورل الكبير من المخاطر على الصياد، إذ تبدأ مواجهة مباشرة مع الحيوان عند محاولة السيطرة عليه.

وأوضح الصياد أن ذيل الورل قادر على توجيه ضربة قوية إلى القدم أو الساق، وقد تؤدي هذه الضربة إلى إصابة خطيرة أو حتى كسر، لذلك يحاول الصياد السيطرة على الذيل ورفعه قبل ذبح الحيوان وسلخه.

ولا يقتصر الاستفادة من الورل على لحمه، إذ يمكن استخدام جلده في صناعة الأحذية.

القنافذ والسلاحف والأرانب البرية على الموائد

ولا يقتصر الاعتماد على الحيوانات البرية كمصدر للغذاء على الورل، إذ تظهر القنافذ والسلاحف والطيور البرية والأرانب أيضاً ضمن روايات عن الأطعمة التي لجأ إليها بعض السودانيين خلال فترة الحرب.

وتشمل هذه المصادر الأرانب البرية التي يجري اصطيادها في بعض المناطق، بعدما أصبحت الحياة البرية في بعض الأماكن جزءاً من بحث السكان عن بدائل للغذاء التقليدي.

وأوضح الطبيب البيطري الوليد علي أن بعض السكان الذين بقوا في الخرطوم كانوا يطاردون الأرانب البرية داخل الأحياء المهجورة في العاصمة.

ويعكس ذلك جانباً من التغيرات التي فرضتها الحرب على حياة السكان، إذ تحولت أماكن لم تكن تُعد في السابق مناطق للصيد إلى ساحات يبحث فيها بعض السكان عن مصادر غذاء، في ظل النزوح والدمار وتراجع توافر المواد الغذائية.

عندما يتحول الغذاء إلى مصدر للخطر

لكن انتقال الحيوانات البرية من موائلها الطبيعية إلى موائد السكان لا يخلو من مخاطر صحية، إذ لا تمر هذه الحيوانات بالضرورة بمراحل الفحص البيطري ذاتها التي تخضع لها الحيوانات المخصصة للاستهلاك التجاري.

وتثير هذه الممارسات مخاوف بشأن الطفيليات والأمراض التي يمكن أن تحملها الحيوانات البرية، فضلاً عن طرق الذبح والحفظ والطهي ومدى توافر الاشتراطات الصحية اللازمة خلال هذه المراحل.

وتزداد هذه المخاطر في ظروف الحرب، حيث قد تكون قدرة السكان على توفير ظروف التخزين والتبريد والنظافة محدودة، كما أن الحيوانات البرية التي يجري اصطيادها خارج منظومة الرقابة البيطرية لا تخضع بالضرورة للفحوص ذاتها التي تخضع لها اللحوم المتداولة عبر القنوات الرسمية.

ولا تقتصر القضية على الصحة العامة، إذ يخضع صيد الحيوانات البرية في السودان لضوابط قانونية، كما أن بعض الأنواع قد تكون محمية أو خاضعة لقيود تتعلق بصيدها أو حيازتها.

وبالتالي، فإن توجه بعض السكان إلى «صيد الخلاء» بحثاً عن الغذاء لا يطرح مخاطر محتملة على المستهلك فقط، بل قد يترك أثراً مباشراً على الحياة البرية نفسها.

الحياة البرية تحت ضغط الحرب

تشير دراسات وتقارير دولية إلى أن النزاعات المسلحة يمكن أن تزيد الضغوط الواقعة على الحياة البرية، إذ يرتبط انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة في مناطق الصراع بارتفاع مخاطر الصيد الجائر واستنزاف أعداد الحيوانات البرية.

كما تؤدي الحروب إلى تراجع قدرة السلطات على حماية المحميات الطبيعية وموائل الحياة البرية، سواء بسبب انشغال المؤسسات الحكومية بالصراع أو تراجع وجودها الميداني في مناطق واسعة.

وفي السودان، برز تدمير غابة السنط في الخرطوم مثالاً على الضغوط التي تواجهها الحياة البرية وموائلها خلال الحرب.

وكان برنامج الأمم المتحدة للبيئة قد وثق في أبريل 2026 الآثار الواسعة للحرب على الغابة، فيما أشار ناشطون في مجال حماية الحياة البرية إلى ارتفاع معدلات صيد وقتل أنواع نادرة ومهددة بالانقراض بعد تدمير الغابة.

ولا تتوقف آثار الحرب، بذلك، عند تدمير المساكن والمنشآت أو تغيير أنماط حركة السكان، بل تمتد إلى الموارد الطبيعية التي يعتمد عليها بعض السكان، وإلى الحيوانات البرية التي تمثل جزءاً أساسياً من النظام البيئي.

أزمة غذاء تضغط على الإنسان والبيئة

تكشف قصة الورل والقنفذ والسلحفاة عن جانب يتجاوز مجرد ظهور أطعمة غير مألوفة على موائد بعض السودانيين، إذ تعكس جانباً من التأثير الأوسع للحرب على علاقة السكان بالموارد الطبيعية.

وفي ظل ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع قدرة الأسر على الحصول على اللحوم، يمكن أن تتحول الحيوانات البرية إلى خيار متاح لبعض السكان، خصوصاً في المناطق التي تراجعت فيها مصادر الغذاء التقليدية أو أصبحت تكلفتها تفوق قدرة الأسر المتضررة من الحرب.

لكن اتساع نطاق الصيد قد يضيف ضغطاً جديداً على الحياة البرية، ولا سيما الأنواع التي تعاني بالفعل من فقدان موائلها وتراجع مستويات الحماية.

وهكذا، تفرض الأزمة الغذائية على بعض السكان خيارات استثنائية لتأمين الطعام، في وقت تتحول فيه هذه الخيارات نفسها إلى تحدٍ إضافي للصحة العامة وللتوازن البيئي والحفاظ على الحياة البرية في السودان.