القاهرة مباشر

مفتي الجمهورية يحذر من تأثير الخوارزميات على الأبناء: «تربي أبناءنا بدلًا منا»

الأربعاء 2 سبتمبر 2026 02:25 مـ 19 ربيع أول 1448 هـ
مفتي الجمهورية الدكتور نظير محمد عياد
مفتي الجمهورية الدكتور نظير محمد عياد

أكد مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم الدكتور نظير محمد عياد، أن الدولة المصرية أدركت مبكرًا خطورة التحديات التي تواجه الأسرة، واتخذت عددًا من الإجراءات الرامية إلى تعزيز استقرارها وحمايتها.

وأوضح مفتي الجمهورية، خلال كلمته في افتتاح المؤتمر الدولي السنوي للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، المنعقد تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى.. مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، أن هذه الإجراءات شملت توجيهات رئاسية لصياغة قوانين الأحوال الشخصية بصورة أكثر توازنًا وتكاملًا، وإنشاء «صندوق دعم الأسرة»، ودعم الأبناء بعد الانفصال، وسرعة تنفيذ الأحكام القضائية في دعاوى النفقات لضمان الاستقرار المعيشي، إلى جانب تعزيز برامج التأهيل المجتمعي والنفسي والمادي للمقبلين على الزواج.

مفتي الجمهورية: الأسرة تواجه تحديًا وجوديًا غير مسبوق

وأشار الدكتور نظير عياد إلى أن مؤسسة الأسرة تواجه تحديات غير مسبوقة، موضحًا أن الفتوى في الماضي كانت تتعامل غالبًا مع نوازل فردية، بينما تقف اليوم أمام ما وصفه بـ«السيولة الفكرية» التي تمس بعض ثوابت الفطرة الإنسانية.

وأضاف أن الانفتاح الرقمي وتطور خوارزميات الذكاء الاصطناعي أسهما في تشكيل أنماط قيمية جديدة تؤثر في وعي الأجيال، مؤكدًا أن التكنولوجيا لم تعد مجرد أداة، وإنما أصبحت في كثير من الأحيان مؤثرة في الاختيارات والسلوكيات، بما قد يضعف الحوار الأسري المباشر ويؤثر في الدور التربوي للوالدين.

تحذير من تأثير المنصات الرقمية والدارك ويب

وشدد مفتي الجمهورية على أن التحديات لا تقتصر على المنصات الرقمية المفتوحة، وإنما تمتد إلى فضاءات أكثر خفاءً، من بينها «الدارك ويب»، وما قد يتداول عبره من محتويات وممارسات تهدد أمن الأسرة وتؤثر في الأبناء بعيدًا عن الرقابة المجتمعية.

ولفت إلى أن ما وصفه بـ«السيولة المعرفية» أدى إلى تراجع الحدود بين الحقيقة والزيف، والعلم والوهم، والقيمة والرغبة، محذرًا من أن المحتوى الأكثر انتشارًا قد يصبح أكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي من المحتوى الأكثر صدقًا ورشدًا.

الذكاء الاصطناعي وصيانة الهوية

وأوضح عياد أن من أبرز المخاطر التي تواجه الأسرة انتقال جانب من المرجعية التربوية من الوالدين إلى المنصات والخوارزميات، بما قد يؤثر في منظومة القيم لدى الأبناء ويضعف ارتباطهم بهويتهم ومرجعيتهم الدينية والثقافية.

وأشار إلى أن ذلك يتزامن مع ما وصفه بـ«عولمة القيم»، التي تنقل منظومات قيمية مختلفة عبر الحدود وتقدمها باعتبارها معيارًا إنسانيًا واحدًا، الأمر الذي يفرض تحديات أمام الخصوصيات الدينية والثقافية ومرجعيات الأسرة.

كما حذر من «تسليع العلاقات»، واختزال العلاقات الزوجية في منطق الربح والخسارة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الزواج والمغالاة في المظاهر، وما يترتب على ذلك من صعوبات أمام الشباب في تكوين الأسرة.

مواجهة التطرف والإلحاد الرقمي

وقال مفتي الجمهورية إن وعي الأبناء أصبح يتعرض لتأثير نزعتين متقابلتين، هما التطرف والإلحاد الرقمي، معتبرًا أن كليهما قد يستفيد من الفراغ العاطفي وهشاشة الوعي ووهم المعرفة.

وأكد أن دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم تستندان إلى إرث مؤسسي يمتد لأكثر من 130 عامًا، مشيرًا إلى أن الفتوى ليست مجرد إجابة عن سؤال، وإنما تمثل، بحسب تعبيره، «إدارة لدفة الحياة» في ضوء الوحي الشريف.

الدعوة إلى "الفقه الاستباقي"

وأوضح أن دار الإفتاء لم تعد تقف عند حدود النقل الحرفي والتكييف الفقهي بعد وقوع النزاع، وإنما اتجهت إلى ما وصفه بـ«الفقه الاستباقي»، الذي يعمل على معالجة الأسباب قبل وقوع النتائج، ورصد المآلات، وتحصين العقول قبل تعرضها لتأثيرات المحتوى الرقمي.

4 أسس لمواجهة التحولات الأسرية

وأكد مفتي الجمهورية أن مواجهة التحولات الكبرى تتطلب تبني مقاربة متكاملة، تقوم على تفعيل الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة، واستلهام الغايات الكبرى للشريعة لتحقيق العدل والتراحم، مع الموازنة بين ثوابت الدين ومتغيرات العصر.

ودعا إلى أن يكون «الاجتهاد المقاصدي في شؤون الأسرة» مادة أساسية تُدرس لطلاب الشريعة في المرحلتين الجامعية والعليا، بهدف إعداد جيل من المفتين القادرين على تقديم فتوى رشيدة، لا تنحاز إلى جمود التقليد ولا إلى الانفلات، إلى جانب خوض ما وصفه بـ«معركة الوعي الرقمي».