شي جين بينج في القاهرة.. شراكة جديدة بين مصر والصين ومكاسب اقتصادية محتملة
تكتسب العلاقات المصرية الصينية زخمًا سياسيًا واستراتيجيًا متزايدًا مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة، في ظل تنامي التنسيق بين البلدين حول عدد من الملفات الإقليمية والدولية، إلى جانب اتساع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري.
وتأتي الزيارة في إطار تحركات مصرية تستهدف تنويع شراكاتها الدولية وتعزيز انفتاحها على القوى الكبرى، خاصة في القارة الآسيوية، بما يدعم استقلالية القرار المصري ويعزز حضور القاهرة على الساحة الدولية. ومن هذا المنطلق، يرى خبراء أن زيارة الرئيس الصيني تمثل محطة مهمة لترسيخ الطابع الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين، ودفع التعاون المشترك نحو مستويات أكثر استدامة في مختلف المجالات.
زيارة الرئيس الصيني تعكس عمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين
أكد الدكتور إكرام بدر الدين، الخبير السياسي، أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر تمثل زيارة مهمة، ويمكن النظر إليها في إطار ما يعرف بدبلوماسية القمة، لما تحمله من دلالات سياسية واستراتيجية تعكس طبيعة العلاقات المتنامية بين القاهرة وبكين.
وأوضح بدر الدين، في تصريحات خاصة للوفد، أن أهمية الزيارة ترجع إلى المكانة التي تتمتع بها الصين باعتبارها قطبًا دوليًا مؤثرًا على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن التقارب السياسي بين مصر والصين يساهم في دعم التوازن والاستقلالية في السياسة الخارجية المصرية، بحيث لا تقتصر تحركات القاهرة على دولة واحدة أو عدد محدود من الدول، وإنما تنفتح على مختلف القوى والدول المؤثرة حول العالم.
وأضاف الخبير السيلسي، أن التقارب المصري الصيني يأتي كذلك في إطار أحد المحاور المهمة للسياسة الخارجية المصرية، والمتمثل في الانفتاح على الشرق، ولا سيما القارة الآسيوية، بما يعزز تنوع الشراكات المصرية ويفتح مجالات أوسع للتعاون مع القوى الاقتصادية والسياسية الكبرى في هذه المنطقة.
وأشار الخبير السياسي إلى أن الزيارة تعكس أيضًا عمق الروابط التي تجمع مصر والصين، وما تشهده العلاقات بين البلدين من تنسيق مستمر في العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، مؤكدًا أن الهدف يتمثل في تدعيم العلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى مستوى شراكة استراتيجية تتسم بالدوام والاستمرارية، إلى جانب تعزيز التنسيق بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
وأكد بدر الدين أن التعاون السياسي بين القاهرة وبكين ينعكس بصورة مباشرة على مختلف مجالات العلاقات، وفي مقدمتها الجانب الاقتصادي، موضحًا أن قوة التقارب السياسي تهيئ أرضية مناسبة لتعزيز الاستثمارات والتبادل التجاري والمشروعات المشتركة، بما يحقق مصالح الدولتين والشعبين ويدعم مسارات التنمية والتعاون المشترك.
وشدد على أن العلاقات المصرية الصينية باتت تقوم على أسس أكثر اتساعًا من مجرد العلاقات الثنائية التقليدية، في ظل وجود مصالح مشتركة وتفاهمات سياسية واقتصادية متنامية، وهو ما يجعل الزيارات واللقاءات على مستوى القيادة فرصة مهمة لدفع هذه العلاقات إلى آفاق جديدة وتعزيز التنسيق بين البلدين تجاه الملفات الإقليمية والدولية.
محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية الصينية
من جهته أكد خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة تمثل محطة مهمة في مسار العلاقات المصرية الصينية، وتفتح المجال أمام انتقال الشراكة بين البلدين إلى مستوى أكثر عمقًا، يقوم على التعاون الاقتصادي والاستثماري والتنموي، وليس فقط على العلاقات السياسية والدبلوماسية. وتأتي الزيارة في ظل تطور ملحوظ في حركة التجارة بين البلدين، حيث سجل حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.78 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 17.37 مليار دولار في 2024، بنسبة نمو بلغت نحو 19.6%، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وقال الشافعي إن المرحلة المقبلة يجب أن تركز بصورة أكبر على تعظيم استفادة الاقتصاد المصري من العلاقات مع الصين، خاصة من خلال زيادة الصادرات المصرية وتقليص الفجوة التجارية، موضحًا أن السوق الصينية تمثل فرصة كبيرة أمام المنتجات المصرية، لا سيما مع الزيادة اللافتة في الصادرات خلال الفترة الأخيرة. وأظهرت أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع قيمة الصادرات المصرية إلى الصين خلال أول خمسة أشهر من عام 2026 إلى نحو 737.6 مليون دولار، مقابل 235.9 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة بلغت 501.7 مليون دولار ونمو قدره 212.6%.
وأشار الشافعي، إلى أن هذه المؤشرات تعكس وجود فرص حقيقية أمام المنتجات المصرية للتوسع في السوق الصينية، خاصة الحاصلات الزراعية والمنتجات الغذائية والمواد الخام والمنسوجات، إلى جانب الطاقة والوقود، مع ضرورة العمل على زيادة القيمة المضافة للصادرات بدلًا من الاكتفاء بتصدير المواد الأولية. وأضاف أن رفع الصادرات المصرية إلى مستويات تتجاوز ملياري دولار سنويًا يتطلب بناء شراكات مباشرة مع الشركات الصينية، وتطوير سلاسل توريد مستقرة، وتحسين القدرة التنافسية للمنتج المصري، بما يسمح بتحويل نمو الصادرات إلى اتجاه مستدام وليس مجرد زيادة مؤقتة. وتؤكد البيانات الرسمية أن أبرز الصادرات المصرية إلى الصين تشمل الحاصلات الزراعية والطاقة والوقود وبعض المواد الخام والمنسوجات.
وأوضح الشافعي أن الجانب الآخر من المعادلة يتمثل في إعادة توجيه هيكل الواردات المصرية من الصين، بحيث يزداد نصيب الآلات والمعدات ومستلزمات الإنتاج والتكنولوجيا والمكونات الصناعية، على حساب الواردات الاستهلاكية غير الضرورية. ولفت إلى أن هذا التوجه من شأنه دعم الصناعة المحلية وزيادة الطاقة الإنتاجية للمصانع المصرية، وخلق فرص جديدة للتصنيع ونقل التكنولوجيا، بدلًا من أن تقتصر العلاقة التجارية على استيراد السلع النهائية. وتشير البيانات الرسمية إلى أن الواردات المصرية من الصين تضم بدرجة كبيرة الآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية والإلكترونيات ووسائل النقل ومستلزمات الإنتاج.
وأضاف أن الاستثمار الصيني يمثل محورًا أساسيًا في الشراكة الاقتصادية، خاصة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي أصبحت منصة مهمة لجذب الشركات الصينية وربط الإنتاج المصري بالأسواق الإقليمية والدولية. وتضم منطقة «تيدا» الصينية أكثر من 200 مشروع صناعي وخدمي ولوجستي باستثمارات تتجاوز 3 مليارات دولار، وفق بيانات رسمية، وهو ما يعكس حجم الدور الذي يمكن أن تلعبه الاستثمارات الصينية في توطين الصناعة وزيادة الإنتاج والصادرات.
وأكد الشافعي أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد التوسع في الاستثمارات الصينية ذات الطبيعة الإنتاجية، خصوصًا في قطاعات الطاقة الجديدة والمتجددة والهيدروجين الأخضر والسيارات الكهربائية والصناعات الإلكترونية والتكنولوجية، إلى جانب الصناعات المرتبطة بسلاسل التوريد العالمية. وقال إن جذب هذا النوع من الاستثمارات لا يضيف رؤوس أموال فقط، وإنما يتيح فرصًا لنقل الخبرات والتكنولوجيا، وتأهيل العمالة المصرية، وزيادة المكون المحلي، وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصنعة في مصر.
وشدد الخبير الاقتصادي على أهمية تعزيز استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار بين البلدين، بما يمكن أن يساهم في تخفيف الطلب على العملات الأجنبية وتقليل الضغوط المرتبطة بتمويل الواردات، مؤكدًا أن أي توسع في هذا الاتجاه يجب أن يكون جزءًا من رؤية متكاملة لإدارة التجارة الخارجية وتعزيز الاستقرار المالي. كما دعا إلى الاستفادة بصورة أكبر من موقع مصر داخل تجمع بريكس في فتح قنوات جديدة للتعاون الاقتصادي والمالي مع الصين والدول الأعضاء.
وأشار الشافعي في ختام تصريحاته إلى أن العلاقات المصرية الصينية تمتلك مقومات قوية للانتقال من مرحلة التعاون التجاري إلى شراكة إنتاجية متكاملة، مؤكدًا أن الهدف الحقيقي خلال الفترة المقبلة يجب أن يكون زيادة الإنتاج المحلي، وتعميق التصنيع، ورفع الصادرات، وجذب استثمارات ذات قيمة مضافة، بما يجعل العلاقة مع الصين أداة لدعم النمو الاقتصادي المصري وليس مجرد زيادة في حجم التجارة. وتأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني في توقيت يتزامن مع احتفال البلدين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، بما يمنحها أهمية سياسية واقتصادية خاصة.
مكاسب دبلوماسية واستراتيجية بالغة الأهمية
كما أكد الدكتور محمد العزبي، خبير العلاقات الدولية والمحلل السياسي، أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تحمل مكاسب دبلوماسية واستراتيجية بالغة الأهمية، وتتجاوز في دلالاتها إطار العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، لتؤكد المكانة المتقدمة التي باتت تحظى بها مصر في معادلات السياسة الدولية والإقليمية.
وقال العزبي إن أولى المكاسب الدبلوماسية للزيارة تتمثل في تأكيد خصوصية الشراكة المصرية الصينية، وما تتمتع به العلاقات بين البلدين من قدر متزايد من الثقة السياسية والتنسيق في القضايا الدولية والإقليمية، موضحًا أن حضور الرئيس الصيني إلى القاهرة يمثل في حد ذاته رسالة سياسية تعكس أهمية مصر بالنسبة للصين باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط وأفريقيا والعالم العربي.
وأضاف أن الزيارة تمنح مصر فرصة مهمة لتعزيز التنسيق السياسي مع بكين بشأن أزمات المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والحرب في غزة، خاصة في ظل التوافق النسبي بين الموقفين المصري والصيني بشأن ضرورة وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، ورفض التهجير القسري، والدفع نحو تسوية سياسية عادلة للقضية الفلسطينية.
وأشار العزبي إلى أن المكسب الأهم يتمثل في توسيع هامش الحركة الدبلوماسية المصرية، فالقاهرة لا تتحرك في إطار محور دولي واحد، وإنما تنتهج سياسة تقوم على تنويع الشراكات وبناء جسور متوازنة مع مختلف القوى الكبرى، وهو ما يمنح الدبلوماسية المصرية قدرة أكبر على المناورة والتأثير في الملفات الإقليمية والدولية.
وأوضح أن الزيارة تحمل كذلك دلالة مهمة فيما يتعلق بالمعادلة المصرية في العلاقات بين الشرق والغرب، إذ إن تعميق الشراكة مع الصين لا يعني ابتعاد القاهرة عن شركائها التقليديين، وإنما يعكس رغبة مصر في بناء شبكة واسعة ومتوازنة من العلاقات الدولية تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل وعدم الارتهان لطرف دولي واحد.
وأكد العزبي أن القاهرة تستطيع من خلال هذه الزيارة الدفع نحو دور صيني أكثر فاعلية في دعم الاستقرار الإقليمي، والاستفادة من الثقل السياسي والاقتصادي لبكين في مساندة جهود التسوية السياسية، فضلًا عن تعزيز التنسيق داخل المؤسسات والمنظمات الدولية، بما يخدم المصالح المصرية والعربية.
وأضاف أن البعد الأفريقي يمثل أيضًا أحد المكاسب المهمة للزيارة، في ضوء الموقع الجغرافي والاستراتيجي لمصر وعلاقاتها الممتدة داخل القارة، لافتًا إلى أن التنسيق المصري الصيني يمكن أن يتحول إلى رافعة إضافية لدعم مشروعات التنمية والبنية التحتية والاستثمار في أفريقيا، وهو ما يعزز من الدور المصري كحلقة وصل بين الصين والقارة الأفريقية.
