20.78 مليار دولار تجارة.. ماذا تحمل زيارة شي جين بينغ للاقتصاد المصري؟
تدخل العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين محطة جديدة مع الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، في توقيت يتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط توجه مصري لتعميق التعاون مع بكين والانتقال من زيادة حركة التجارة والاستثمار إلى توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا والتكامل في سلاسل الإنتاج.
وغادر شي جين بينغ بكين، اليوم الأحد 30 أغسطس 2026، للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، وإجراء زيارتي دولة إلى قرغيزستان ومصر خلال الجولة الممتدة حتى 3 سبتمبر، فيما تمثل زيارة القاهرة أول زيارة دولة له إلى مصر منذ نحو عقد.
ومن المقرر أن يلتقي الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصيني لبحث تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين في المجالات المختلفة، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية.
70 عامًا من العلاقات المصرية الصينية
تكتسب الزيارة أهمية إضافية في ظل احتفال البلدين خلال 2026 بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية في 30 مايو 1956، عندما أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية.
وتطورت العلاقات خلال العقود الماضية وصولًا إلى تدشين الشراكة الاستراتيجية الشاملة في عام 2014، لتتوسع مجالات التعاون بعدها في التجارة والاستثمار والصناعة والبنية التحتية والطاقة والنقل والتكنولوجيا.
20.78 مليار دولار حجم التجارة بين مصر والصين
وتكشف أرقام التجارة عن اتساع العلاقات الاقتصادية، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والصين نحو 20.78 مليار دولار خلال 2025، مقابل 17.37 مليار دولار في 2024، بزيادة تقارب 19.6%، وفق البيانات التي أوردتها الهيئة العامة للاستعلامات استنادًا إلى تقرير التجارة الخارجية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وبلغت الصادرات المصرية إلى السوق الصينية نحو 819 مليون دولار خلال 2025، بينما اقتربت الواردات من الصين من 19.9 مليار دولار، وهو ما يكشف عن اتساع الفجوة التجارية ويضع زيادة الصادرات ذات القيمة المضافة ضمن أبرز التحديات أمام المرحلة المقبلة من التعاون الاقتصادي.
وتشمل أبرز الصادرات المصرية إلى الصين الحاصلات الزراعية، وفي مقدمتها الموالح والبرتقال، إلى جانب منتجات الطاقة والوقود وبعض المواد الخام والمنسوجات، في حين تتركز الواردات في الآلات والمعدات والأجهزة الكهربائية والإلكترونيات ووسائل النقل ومستلزمات الإنتاج.
لماذا تختلف بعض أرقام التجارة المنشورة؟
وتظهر بعض البيانات الحكومية رقمًا آخر للتجارة بين البلدين خلال 2025 يبلغ 19.52 مليار دولار، وهو الرقم الذي أعلنته وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية في أغسطس الجاري، بينما تشير أحدث البيانات التي عرضتها هيئة الاستعلامات والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى 20.78 مليار دولار.
وعليه، يعتمد هذا التقرير رقم 20.78 مليار دولار باعتباره الرقم الوارد في أحدث تقرير منشور للتجارة الخارجية، مع الإشارة إلى وجود اختلاف بين المصادر الحكومية في طريقة أو نطاق احتساب التجارة الثنائية.
الاستثمارات الصينية تتجاوز 10 مليارات دولار
ولا تقتصر العلاقة بين القاهرة وبكين على التجارة، إذ أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في أغسطس 2026 أن الاستثمارات الصينية في مصر تجاوزت 10 مليارات دولار، موزعة على قطاعات اقتصادية متعددة.
وتشمل مجالات التعاون الصناعي والاستثماري التصنيع والطاقة النظيفة والاتصالات والنقل والتعدين والصناعات الكيميائية والهندسية والزراعة وتحلية مياه البحر وتوطين التقنيات الحديثة، إلى جانب مشروعات البنية التحتية.
وتعمل آلاف الشركات الصينية في السوق المصرية، مع حضور واضح في قطاعات الأجهزة المنزلية والمنسوجات والإلكترونيات ووسائل النقل والصناعات الهندسية ومكونات السيارات، إلى جانب مشروعات صناعية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
«تيدا» نموذج للتحول من التجارة إلى الصناعة
وتبرز المنطقة الاقتصادية والتجارية الصينية المصرية «تيدا» في العين السخنة باعتبارها أحد أهم نماذج الشراكة الصناعية بين البلدين، حيث تحولت خلال السنوات الماضية إلى قاعدة تستضيف شركات ومشروعات صناعية صينية تستهدف السوق المصرية والتصدير إلى الخارج.
وتعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس عنصرًا محوريًا في خطط جذب الاستثمارات الصينية، مستفيدة من قربها من قناة السويس والموانئ والأسواق الدولية، مع تركيز متزايد على الصناعات الموجهة للتصدير ونقل التكنولوجيا وتوطين سلاسل القيمة.
لماذا تجذب مصر المصانع الصينية؟
وتراهن مصر على مجموعة من المزايا لتعزيز موقعها كقاعدة إنتاج للشركات الصينية، في مقدمتها موقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومرور أحد أهم طرق التجارة العالمية عبر قناة السويس، إلى جانب شبكة الموانئ والمناطق الصناعية واتفاقيات التجارة التي تتيح الوصول إلى عدد كبير من الأسواق.
كما تسعى القاهرة إلى الاستفادة بصورة أكبر من اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، بما يسمح للشركات التي تصنع داخل مصر باستخدامها نقطة انطلاق إلى الأسواق الأفريقية بدلًا من الاكتفاء بتوجيه منتجاتها إلى السوق المحلية.
ومن شأن نجاح هذه السياسة أن يحول مصر تدريجيًا من سوق كبيرة للمنتجات الصينية إلى مركز إقليمي لتصنيع بعض تلك المنتجات وتصديرها، وهو ما يحقق قيمة مضافة وفرص عمل ويخفف جزءًا من الفجوة التجارية.
مصر تستهدف الصادرات ذات القيمة المضافة
وتشير التحركات الحكومية الأخيرة إلى أن الأولوية المصرية خلال المرحلة المقبلة تتمثل في زيادة الصادرات ذات القيمة المضافة، وتعميق التصنيع المحلي، وتوطين التكنولوجيا، وربط المصانع المصرية بصورة أكبر بسلاسل التوريد الصينية والعالمية.
وأكدت وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية أن التعاون مع الصين يستهدف زيادة نفاذ المنتجات المصرية إلى السوق الصينية، وجذب استثمارات جديدة إلى القطاعات الإنتاجية بدلًا من التركيز فقط على التجارة التقليدية.
كما أبدى الجانب الصيني دعمًا لمشاركة مصر في معرض الصين الدولي للاستيراد ومبادرات التصدير إلى السوق الصينية، بما يوفر فرصة لزيادة حضور المنتجات المصرية، خاصة الزراعية والغذائية والصناعية.
التكنولوجيا والطاقة والسيارات على أجندة التعاون
وتتسع المجالات المرشحة لاستقبال استثمارات صينية جديدة لتشمل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والصناعات التكنولوجية والسيارات الكهربائية والفضاء واللوجستيات والموانئ الذكية.
وتبحث الحكومة كذلك فرصًا للتعاون في تحلية المياه والاتصالات والتعدين والصناعات الهندسية والمتخصصة والطاقة المتجددة، بما يجعل الشراكة الاقتصادية أكثر تنوعًا مقارنة بالمراحل السابقة.
فرصة لمصر داخل سلاسل الإمداد العالمية
وتأتي هذه التحركات في وقت تعيد فيه الشركات الدولية ترتيب سلاسل الإمداد وتنويع قواعد التصنيع، ما يتيح لمصر فرصة لجذب صناعات تسعى إلى الاقتراب من أسواق أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.
وتستند الاستراتيجية المصرية في هذا الملف إلى الجمع بين الاستثمار الأجنبي والتصنيع المحلي والتصدير، بحيث لا تقتصر الاستفادة من رؤوس الأموال الصينية على إنشاء المشروعات، بل تمتد إلى زيادة المكون المحلي وتوفير فرص العمل ونقل المعرفة الصناعية.
ماذا يمكن أن تحقق زيارة شي جين بينغ؟
تمثل زيارة الرئيس الصيني فرصة لدفع ملفات التعاون القائمة وفتح مسارات جديدة في الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا، خاصة أن الرئاسة المصرية أعلنت أن المباحثات ستتناول تعزيز الشراكة الاستراتيجية في مختلف المجالات.
كما تأتي الزيارة في ظل رغبة معلنة لدى القاهرة وبكين في توسيع التعاون بالمشروعات الكبرى، ومن بينها المنطقة الاقتصادية والتجارية الصينية المصرية بقناة السويس، ومشروعات النقل والطاقة والبنية التحتية والتصنيع والتصدير.
ويبقى التحدي أمام مصر هو تحويل الأرقام الكبيرة للتجارة والاستثمارات إلى أثر أعمق داخل الاقتصاد، عبر رفع الصادرات المصرية إلى الصين، وزيادة المكون المحلي في المشروعات الصينية، وتشجيع التصنيع من أجل التصدير، ونقل التكنولوجيا إلى الشركات والعمالة المصرية.
وبذلك يمكن للمرحلة الجديدة من العلاقات المصرية الصينية أن تنتقل من نموذج يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد والمشروعات الاستثمارية إلى شراكة إنتاجية أوسع، تجعل مصر حلقة أكثر فاعلية في سلاسل القيمة والتصنيع العالمية.
