السعودية وتركيا وباكستان في تحالف دفاعي جديد.. هل تتغير معادلات المنطقة؟
في خطوة تعكس التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية دفاع مشترك في مكة المكرمة، تتضمن مبدأً يقضي بأن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعًا، في صيغة تقترب من مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي «الناتو».
ويأتي الاتفاق في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف بشأن أمن الخليج والملاحة الدولية، الأمر الذي دفع الدول الثلاث إلى تعزيز التعاون الأمني والدفاعي، في محاولة لبناء قدرات إقليمية أكثر تنوعًا وعدم الاعتماد على مصدر واحد للردع والحماية.
ووفقًا لما نقلته وكالة «فرانس برس» عن محللين، فإن الاتفاق يمثل تطورًا لافتًا في العلاقات الأمنية بين ثلاث دول ذات ثقل إقليمي، تجمعها علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى التعامل بصورة أكثر استقلالية مع التهديدات التي تواجه المنطقة.
لماذا جاء اتفاق مكة في هذا التوقيت؟
يرتبط توقيع الاتفاق بالتغيرات التي طرأت على المشهد الأمني في الشرق الأوسط خلال الأشهر الأخيرة، خاصة مع استمرار التوترات المرتبطة بإيران وأمن الملاحة في الخليج والبحر الأحمر.
وأدت التهديدات التي تعرضت لها حركة التجارة والطاقة في المنطقة إلى إعادة فتح النقاش حول مدى قدرة الترتيبات الأمنية التقليدية على توفير الحماية الكاملة لدول الخليج والمنشآت الحيوية وممرات التجارة الدولية.
كما أسهمت الهجمات المتبادلة والتوترات العسكرية في تعزيز توجه عدد من الدول نحو تنويع شراكاتها الدفاعية، بدلًا من الاعتماد بصورة كاملة على المظلة الأمنية الأمريكية.
ويرى محللون أن السعودية تنظر إلى بناء شراكات أمنية متعددة باعتباره وسيلة لتوفير مستويات مختلفة من الردع، خاصة في ظل اتساع نطاق التهديدات التي تواجه المنطقة.
ماذا تقدم كل دولة للتحالف الجديد؟
يستند التحالف الثلاثي إلى اختلاف القدرات والإمكانات التي تمتلكها كل دولة، وهو ما يمنحه، من الناحية النظرية، درجة من التكامل العسكري والاقتصادي.
وتملك السعودية موارد مالية ضخمة وقدرة كبيرة على تمويل المشروعات الدفاعية وشراء وتطوير الأنظمة العسكرية، لكنها تسعى في الوقت نفسه إلى توسيع قاعدة التصنيع العسكري المحلي وتنويع مصادر التكنولوجيا الدفاعية.
أما تركيا، فتتمتع بقاعدة صناعية عسكرية متطورة وخبرة متنامية في تطوير الطائرات المسيرة والصناعات الدفاعية، إلى جانب امتلاكها جيشًا كبيرًا وخبرة عملياتية واسعة.
في المقابل، تمتلك باكستان خبرات عسكرية متراكمة وقوة بشرية كبيرة، فضلًا عن امتلاكها قدرات نووية، إلى جانب علاقاتها العسكرية والتاريخية الوثيقة مع السعودية.
وبذلك يمكن أن يوفر التعاون بين الدول الثلاث مزيجًا من التمويل والأسواق من جانب، والتكنولوجيا والتصنيع والخبرة العسكرية من جانب آخر.
هل يعني الاتفاق دخول تركيا وباكستان حربًا مع إيران؟
رغم أن اتفاقية الدفاع المشترك تتضمن التزامًا بمساندة أي دولة تتعرض لهجوم، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تركيا أو باكستان ستدخلان حربًا مباشرة مع إيران في حال تعرضت السعودية لهجوم.
ويرى محللون أن طبيعة العلاقات التي تربط أنقرة وإسلام آباد بطهران، إلى جانب الدور الذي تلعبه الدولتان في جهود الوساطة والتهدئة، قد تجعل التدخل العسكري المباشر خيارًا بالغ التعقيد.
كما أن تجربة باكستان السابقة تمثل مؤشرًا مهمًا؛ إذ سبق أن وقعت الرياض وإسلام آباد اتفاقية دفاعية مماثلة في عام 2025، دون أن يعني ذلك دخول باكستان في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران.
وتشير تقديرات تحليلية إلى أن الهدف الأساسي للاتفاق في مرحلته الحالية قد يكون تعزيز الردع ورفع تكلفة أي هجوم محتمل، وليس بالضرورة إنشاء آلية تلقائية تقود إلى حرب إقليمية واسعة.
رسالة إلى إيران وإسرائيل وواشنطن
يحمل الاتفاق أبعادًا سياسية تتجاوز الجانب العسكري، إذ يوجه رسالة إلى مختلف القوى الإقليمية والدولية بأن دول المنطقة أصبحت أكثر اهتمامًا ببناء ترتيبات أمنية تعتمد بدرجة أكبر على القدرات والشراكات الإقليمية.
وفي الوقت نفسه، لا يعني التحالف الجديد التخلي عن العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، التي لا تزال تمتلك وجودًا عسكريًا واسعًا في المنطقة وتلعب دورًا رئيسيًا في منظومة الأمن الإقليمي.
لكن الاتفاق يكشف عن رغبة متزايدة لدى بعض القوى الإقليمية في تنويع مصادر الحماية والردع، بدلًا من الاعتماد على مظلة أمريكية منفردة.
كما يحمل التحالف دلالة أخرى مرتبطة بمستقبل العلاقات مع إسرائيل، خصوصًا أن تركيا وباكستان تتبنيان مواقف معارضة بشدة للسياسات الإسرائيلية، بينما تربط السعودية أي تطبيع محتمل بإحراز تقدم حقيقي نحو إقامة دولة فلسطينية.
هل نحن أمام تحالف إقليمي جديد؟
يمثل اتفاق مكة تطورًا مهمًا في مسار إعادة ترتيب التحالفات داخل الشرق الأوسط، لكنه لا يعني حتى الآن نشوء حلف عسكري مماثل لحلف الناتو بالمعنى الكامل.
فالاختبار الحقيقي للاتفاق سيظهر في حال تعرض إحدى الدول الثلاث لهجوم مباشر، ومدى استعداد الدول الأخرى لترجمة التعهدات السياسية إلى خطوات عسكرية فعلية.
ومع ذلك، فإن جمع القدرات المالية السعودية مع الإمكانات الصناعية والتكنولوجية التركية والخبرة العسكرية والقدرات الردعية الباكستانية يمنح الاتفاق وزنًا إقليميًا واضحًا.
ومن المرجح أن تظل المرحلة المقبلة كاشفة لمدى قدرة التحالف الجديد على تحويل الاتفاق إلى منظومة أمنية عملية، وما إذا كان سيقتصر على تعزيز التعاون والتنسيق والردع، أم يتحول تدريجيًا إلى إطار دفاعي أكثر تنظيمًا وتأثيرًا في المنطقة.
وبذلك، يفتح اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان الباب أمام مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية في الشرق الأوسط، تقوم على تعزيز الشراكات الإقليمية وتنويع مصادر القوة والردع، مع استمرار العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، ولكن في إطار أكثر استقلالية وتعددًا.
