القاهرة مباشر

من صور إلى النبطية.. القصف يضرب ذاكرة لبنان التاريخية وفرق الآثار عاجزة عن الوصول للمواقع المتضررة

الإثنين 13 يوليو 2026 01:33 مـ 27 محرّم 1448 هـ
من صور إلى النبطية.. القصف يضرب ذاكرة لبنان التاريخية وفرق الآثار عاجزة عن الوصول للمواقع المتضررة

كشفت تداعيات الحرب الأخيرة في جنوب لبنان عن حجم الأضرار الكبيرة التي لحقت بعدد من المدن التاريخية والمواقع الأثرية، وسط مخاوف متزايدة من فقدان جزء من الإرث الحضاري اللبناني، في ظل استمرار صعوبة وصول فرق التقييم والترميم إلى بعض المناطق بسبب استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الجنوب.

وأظهرت التقارير الأولية التي رصدتها صحيفة "لوموند دبلوماتيك" الفرنسية تعرض قرى تاريخية ومبانٍ تراثية وأسواق قديمة ومواقع أثرية مهمة لأضرار متفاوتة، من بينها مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي، الأمر الذي أثار تحذيرات بشأن المخاطر التي تهدد ذاكرة لبنان الثقافية والحضارية.

وأكد وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة أن السلطات اللبنانية لم تتمكن حتى الآن من إجراء تقييم شامل لحجم الأضرار التي أصابت المواقع التراثية، موضحًا أن استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل شريط يمتد لنحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية يحول دون وصول الخبراء وفرق الآثار إلى عدد كبير من المناطق المتضررة.

وقال سلامة إن "لا يمكننا العمل في ظل الاحتلال"، مشيرًا إلى أن استمرار الوضع الحالي يؤخر عمليات التوثيق والمسح الميداني، ويمنع تكوين صورة دقيقة حول حجم الخسائر التي تعرض لها التراث اللبناني نتيجة العمليات العسكرية.

واتهم وزير الثقافة اللبناني إسرائيل بتنفيذ ما وصفه بـ"التدمير الممنهج للقرى والبلدات"، مؤكدًا أن بعض المناطق التاريخية تعرضت للتجريف الكامل، بما يهدد بمحو آثار تمتد جذورها إلى مئات السنين.

وأشار سلامة إلى أن جنوب لبنان يضم العديد من القرى التي تمثل نموذجًا للتنوع الديني والثقافي، حيث عاشت فيها طوائف مختلفة عبر قرون طويلة، لافتًا إلى أن تدمير هذه المناطق لا يمثل خسارة عمرانية فقط، بل يمثل ضربة للهوية التاريخية والثقافية للمنطقة.

كما أشار إلى تصريحات سابقة لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بشأن هدم المنازل على طول الحدود، معتبرًا أنها تعزز وجهة نظره بوجود نمط واسع من التدمير طال عددًا من المناطق الجنوبية.

ولم تقتصر الأضرار على القرى الحدودية، بل امتدت إلى مدن تاريخية مثل صور والنبطية، حيث تعرض موقع "البص" الأثري في مدينة صور، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، لأضرار بعد غارة جوية تسببت في تطاير جزء من أحد التيجان الحجرية للأعمدة الرومانية الموجودة بالموقع.

كما أثار القصف الذي طال بلدة تبنين مخاوف بشأن الأضرار التي قد تكون لحقت بقلعتها الصليبية التاريخية، فيما تعرض سوق النبطية القديم، الذي يعود إلى العصر المملوكي، لأضرار نتيجة الضربات العسكرية.

وتعد قلعة الشقيف، أو "بوفورت"، من أبرز المواقع التي ارتبط اسمها بالتصعيد العسكري، بعدما سيطرت القوات الإسرائيلية عليها عقب معارك عنيفة، بينما تقول إسرائيل إن حزب الله استخدم الموقع لتخزين أسلحة، في حين تنفي السلطات اللبنانية هذه الاتهامات.

ووصف مسؤولون في المديرية العامة للآثار حجم الدمار الذي لحق ببعض المواقع بأنه غير مسبوق، مؤكدين أن المشهد في بعض الأماكن يشبه آثار زلزال مدمر، نتيجة قوة الانفجارات التي أثرت على الأبنية التاريخية والمنشآت المحيطة بها.

وأشار خبراء آثار إلى أن الإجراءات التي كانت تهدف إلى حماية بعض المواقع الأثرية تحولت في بعض الحالات إلى عوامل إضافية للدمار بسبب تأثير الانفجارات عليها، مؤكدين أن المواقع المصنفة ضمن الحماية الدولية يفترض أن تكون بعيدة عن الاستهداف خلال النزاعات المسلحة وفق الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي.

من جانبها، أعلنت منظمة اليونسكو أنها تتابع بقلق بالغ التقارير المتعلقة بالأضرار التي لحقت بمدينة صور، المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي والخاضعة للحماية المعززة، إضافة إلى المخاطر التي تهدد مواقع أخرى مثل قلعة شمع وقلعة الشقيف.

وطلبت الحكومة اللبنانية إعادة تصنيف مدينة صور ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، وهو إجراء يمنح الموقع اهتمامًا دوليًا أكبر، ويوفر آليات إضافية لحمايته والحفاظ عليه.

وتعد مدينة صور واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، حيث تعود جذورها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وكانت من أهم مراكز الحضارة الفينيقية قبل أن تشهد ازدهارًا كبيرًا خلال العصر الروماني، وتضم اليوم مواقع أثرية بارزة من بينها أحد أكبر ميادين سباق الخيل الرومانية.

ويضم لبنان ستة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، من بينها صور وبعلبك وعنجر ووادي قاديشا، وهو ما يجعل الأضرار التي تلحق بهذه المواقع قضية تتجاوز الحدود اللبنانية، باعتبارها جزءًا من التراث الإنساني العالمي.

وفي المقابل، يؤكد الجيش الإسرائيلي أنه لا يستهدف المواقع المدنية أو الثقافية إلا في حالات تفرضها الضرورة العسكرية، مشيرًا إلى اتخاذ إجراءات خاصة عند تنفيذ عملياته بالقرب من المناطق الحساسة.

لكن السلطات اللبنانية ترى أن حجم الدمار والنزوح الكبير للسكان، ومن بينهم نحو مليون شخص في مناطق مختلفة وحوالي 200 ألف من مدينة صور ومحيطها، يعكس آثارًا إنسانية وثقافية عميقة قد تحتاج سنوات طويلة لإعادة الإعمار وترميم ما يمكن إنقاذه من تاريخ لبنان الحضاري.