القاهرة مباشر

هل “نسيان ما بعد الولادة” حقيقة علمية؟ دراسات تكشف تغيّرات الدماغ أثناء الحمل

السبت 20 يونيو 2026 03:31 مـ 4 محرّم 1448 هـ
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

إذا أنجبتِ طفلًا مؤخرًا، فقد تلاحظين حالة من ضعف التركيز أو النسيان المتكرر، وهو ما يُعرف شعبيًا بـ“نسيان ما بعد الولادة”، لكن السؤال العلمي الأهم: هل هذا العرض حقيقي بالفعل؟ وهل يتغير الدماغ أثناء الحمل بما يفسر هذه الحالة؟ أم أن الأمر يرتبط بعوامل حياتية ونفسية أخرى؟

تشير أبحاث علم الأعصاب إلى أن الحمل لا يقتصر على التغيرات الجسدية فقط، بل يمتد ليشمل الدماغ نفسه، حيث يحدث ما يشبه “إعادة تشكيل” في البنية العصبية.

وقد رُصدت تغييرات في حجم المادة الرمادية داخل الدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن التفكير المعقد وتنظيم الانفعالات والإدراك الاجتماعي، أي القدرة على فهم احتياجات الآخرين والتفاعل معهم.

وتؤكد الدراسات أن هذه التغيرات ليست مؤقتة، بل يمكن أن تستمر لسنوات بعد الولادة، حيث تم رصد آثارها حتى بعد ست سنوات، بل وأشارت دراسات سكانية واسعة إلى وجود “بصمة عصبية” مرتبطة بتجربة الحمل قد تمتد لعقود طويلة.

وفي دراسة دقيقة نادرة، تم تتبع دماغ امرأة واحدة عبر 26 فحصًا متتاليًا، بدءًا من قبل الحمل وحتى عامين بعد الولادة، حيث لاحظ الباحثون انخفاضًا في حجم المادة الرمادية خلال الحمل، مع ترقق في القشرة الدماغية، وهو ما يُفسَّر على أنه عملية إعادة تنظيم عصبي مرتبطة بالتغيرات الهرمونية الكبيرة خلال هذه المرحلة.

وفي المقابل، أظهرت المادة البيضاء في الدماغ—وهي المسؤولة عن سرعة نقل الإشارات بين المناطق المختلفة—تحسنًا ملحوظًا خلال الحمل، ما يشير إلى كفاءة أعلى في الاتصال العصبي خلال الثلثين الأول والثاني من الحمل، قبل أن تعود إلى مستوياتها الطبيعية بعد الولادة.

ورغم أن فقدان جزء من المادة الرمادية قد يبدو مقلقًا، إلا أن العلماء يؤكدون أنه لا يعني تدهورًا أو تلفًا دماغيًا، بل يمثل عملية “إعادة ضبط” عصبية تهدف إلى تهيئة الدماغ لمتطلبات الأمومة، بطريقة تشبه إعادة تشكيل الدماغ خلال مراحل النمو الكبرى مثل البلوغ.

لكن المفاجأة أن هذه التغيرات لا تنعكس بالضرورة على ضعف واضح في القدرات الذهنية. فقد أظهرت دراسة واسعة شملت نحو 150 أمًا و150 أبًا جددًا، إلى جانب مجموعات من غير الوالدين، أن الأداء في اختبارات الذاكرة والتفكير وسرعة المعالجة ظل متقاربًا بين جميع المجموعات خلال أول عامين بعد الولادة.

وتشير هذه النتائج إلى أن الشعور بـ“تشوش التفكير” لا يرتبط دائمًا بتغيرات دماغية مباشرة، بل غالبًا ما يعود إلى عوامل أخرى مرتبطة بالأمومة المبكرة، مثل قلة النوم، والضغط النفسي، وتعدد المسؤوليات اليومية.

فالأمهات الجدد يواجهن حرمانًا من النوم بشكل متكرر، وهو عامل مثبت علميًا في التأثير على الانتباه والذاكرة وسرعة الاستجابة. كما أن العبء الذهني اليومي—من متابعة الرضاعة وتغيير الحفاضات وتنظيم نوم الطفل—يخلق حالة من “الإجهاد المعرفي” الذي يجعل التركيز الكامل أمرًا صعبًا.

وبذلك، فإن ما يُشعر به على أنه “ضعف في الذاكرة” قد لا يكون تراجعًا في قدرات الدماغ، بل انعكاسًا لضغط الحياة الجديدة وتغير نمط النوم والمسؤوليات، ما يجعل الدماغ يعمل في بيئة أكثر تعقيدًا وتشتيتًا من المعتاد.