القاهرة مباشر

من الأزهر إلى الوقائع المصرية.. رحلة الإمام العطار في تجديد الفكر الديني والعلمي

السبت 20 يونيو 2026 03:05 مـ 4 محرّم 1448 هـ
دفعة الشيخ حسن العطار
دفعة الشيخ حسن العطار

يُعد الإمام الشيخ حسن بن محمد بن محمود العطار، المكنى بأبي السعادات والمعروف بلقب "إمام المجددين"، واحداً من أبرز الشخصيات الفكرية والتنويرية في تاريخ الأزهر الشريف ومصر الحديثة، حيث مثّل علامة فارقة في مسار تطور الفكر الديني والعلمي خلال نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وُلد العطار في القاهرة عام 1766م لأسرة مغربية الأصل يعمل عائلها في تجارة العطور، قبل أن تتشكل ملامح شخصيته العلمية مبكراً من خلال شغفه بالمعرفة وانخراطه في طلب العلم داخل أروقة الأزهر الشريف.

بدأ العطار مسيرته العلمية سراً في بداياته، لكنه سرعان ما برز بين أقرانه، مستفيداً من حفظه للقرآن الكريم في وقت مبكر، ومن تلقيه العلم على يد كبار علماء عصره مثل مرتضى الزبيدي ومحمد الأمير والصبان وعرفة الدسوقي، حيث كان الأخير له تأثير كبير في توجيهه نحو العلوم العقلية مثل الفلك والهندسة، ما فتح أمامه آفاقاً معرفية تجاوزت حدود المنهج التقليدي السائد آنذاك.

وشكلت التحولات التاريخية الكبرى، وعلى رأسها الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م، نقطة تحول في مسيرته الفكرية، حيث تعرف على العلوم الحديثة التي جاء بها الفرنسيون، واطلع على أدواتهم العلمية والهندسية والفلكية، وهو ما عمّق لديه الإحساس بضرورة الانفتاح على المعارف الجديدة وتطوير أدوات البحث العلمي في العالم الإسلامي.

وفي مرحلة لاحقة، خاض الإمام العطار رحلة علمية واسعة امتدت من عام 1802م إلى 1815م شملت تركيا والشام وألبانيا، حيث درس الطب ومارسه، وأتقن اللغتين التركية والألبانية، كما خاض تجربة حياتية جديدة شملت الزواج والاستقرار خارج مصر، قبل أن يعود إلى وطنه في عهد محمد علي باشا الذي أولاه تقديراً كبيراً، وأعاده إلى التدريس في الجامع الأزهر.

تُوجت مسيرته العلمية بتوليه مشيخة الأزهر عام 1830م ليصبح الشيخ السادس عشر في تاريخ المؤسسة العريقة، حيث قاد خلال فترة ولايته حركة إصلاحية فكرية ضد الجمود العلمي، وانتقد الاقتصار على الحواشي والمتون، داعياً إلى الاجتهاد والعودة إلى أمهات الكتب والانفتاح على العلوم الحديثة، في رؤية إصلاحية سابقة لعصرها.

ولم يقتصر دوره على التعليم الديني، بل امتد إلى المجال الإعلامي والفكري، حيث اختاره محمد علي باشا عام 1828م ليكون أول محرر لجريدة "الوقائع المصرية"، تقديراً لقدراته الأدبية واللغوية، كما كان من أبرز الداعمين لإرسال البعثات العلمية إلى أوروبا، والمساهمين في تأسيس المدارس الحديثة في الطب والهندسة، إيماناً منه بضرورة تحديث بنية الدولة العلمية والمعرفية.

ومن أبرز مواقفه التاريخية دعمه لتعليم الطب الحديث، حيث وقف موقفاً حاسماً دفاعاً عن دراسة التشريح، مؤكداً مشروعيته العلمية والدينية، ما ساهم في ترسيخ أسس التعليم الطبي الحديث في مصر، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التطور العلمي.

كما كان الإمام العطار مؤثراً في جيل كامل من المصلحين، وعلى رأسهم رفاعة رافع الطهطاوي الذي أوصى به لإحدى البعثات العلمية إلى باريس، ليكون لاحقاً من أبرز رواد النهضة الفكرية، كما امتد تأثيره إلى محمد عبده وغيره من رموز الإصلاح الديني.

وقد جمع الإمام بين علوم الشريعة والعلوم العقلية، فكان فقيهاً ومحدثاً وأديباً ومؤرخاً، إلى جانب إتقانه للطب والفلك والرياضيات والجغرافيا والموسيقى، وترك إرثاً علمياً ضخماً تجاوز الثمانين مؤلفاً ورسالة، ما جعله أحد أعمدة التجديد في الفكر الإسلامي.

وتقديراً لدوره الريادي في تجديد الخطاب الديني وصناعة الوعي، كرمت الدولة المصرية ذكراه بإطلاق اسمه على دفعة من الأئمة والدعاة الجدد، تأكيداً على استمرار حضوره كنموذج للعالم الأزهري الموسوعي والمجدد.