القاهرة مباشر

اختفاء الكروموسوم الذكوري يثير قلق العلماء.. هل يهدد صحة الرجال مع التقدم في العمر؟

الإثنين 15 يونيو 2026 05:02 صـ 29 ذو الحجة 1447 هـ
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لعقود طويلة، نظر العلماء إلى ظاهرة فقدان الكروموسوم الذكوري المعروف باسم كروموسوم “واي” Y من خلايا بعض الرجال مع التقدم في العمر باعتبارها تغيرًا طبيعيًا لا يثير القلق، خاصة أن الخلية البشرية تستطيع البقاء على قيد الحياة بدونه، بخلاف كثير من الكروموسومات الأخرى التي يؤدي فقدانها إلى اضطرابات شديدة.

لكن أبحاثًا جينية حديثة أعادت فتح هذا الملف من جديد، بعدما كشفت أن اختفاء كروموسوم Y من خلايا الدم لدى الرجال المسنين قد لا يكون مجرد علامة عابرة على الشيخوخة، بل قد يرتبط بزيادة مخاطر الإصابة بعدد من الأمراض الخطيرة، من بينها أمراض القلب، والفشل الكلوي، وبعض أنواع السرطان، وأمراض التنكس العصبي مثل ألزهايمر.

ويحتوي جسم الإنسان عادة على 46 كروموسومًا، بينها الكروموسومات الجنسية التي تحدد الخصائص البيولوجية للذكور والإناث. ويُعد كروموسوم Y من أصغر الكروموسومات حجمًا، كما كان يُعتقد لسنوات طويلة أن وظيفته الأساسية تقتصر على تحديد الجنس الذكري والمساهمة في تكوين الحيوانات المنوية.

إلا أن النظرة العلمية لهذا الكروموسوم بدأت تتغير تدريجيًا، بعدما أظهرت دراسات أن فقدانه من خلايا الدم، خصوصًا مع التقدم في السن، قد يرتبط بتغيرات واضحة في أداء الجهاز المناعي وقدرة الجسم على مقاومة الالتهابات والأورام والأمراض المزمنة.

وتشير البيانات الطبية المتداولة في هذا المجال إلى أن نسبة كبيرة من الرجال المسنين يفقدون كروموسوم Y في جزء من خلايا الدم. وترتفع هذه النسبة بصورة ملحوظة مع العمر، إذ تظهر لدى قطاع واسع من الرجال في السبعينيات، وتزداد بصورة أكبر بين من تجاوزوا التسعين عامًا.

ويرى باحثون أن خطورة هذا الفقد لا تكمن في غياب الكروموسوم نفسه فقط، بل في تأثيره المحتمل على وظائف الخلايا المناعية. فعندما تفقد هذه الخلايا كروموسوم Y، قد تصبح أقل قدرة على أداء دورها الطبيعي في مراقبة الجسم ومهاجمة الخلايا السرطانية أو التعامل مع الالتهابات والأنسجة التالفة.

ومن أبرز المجالات التي سلطت عليها الأبحاث الضوء علاقة فقدان كروموسوم Y بأمراض القلب. فقد أظهرت تجارب مخبرية أن غياب هذا الكروموسوم من بعض الخلايا المناعية قد يحفز حدوث التليف داخل أنسجة القلب، وهو ما يؤدي إلى تندب الأنسجة وضعف كفاءة عضلة القلب، بما يرفع احتمالات الإصابة بقصور القلب ومضاعفات الأوعية الدموية.

كما امتدت نتائج الأبحاث إلى بعض أنواع الأورام، وفي مقدمتها سرطان المثانة، وهو من السرطانات التي تصيب الرجال بمعدلات أعلى من النساء. ووجد باحثون أن نسبة من أورام المثانة لدى كبار السن من الرجال تفتقر إلى كروموسوم Y، ما دفع العلماء إلى دراسة ما إذا كان هذا الفقد يساعد الخلايا السرطانية على الهروب من رقابة الجهاز المناعي.

ولا يتوقف الأمر عند القلب والسرطان فقط، إذ تربط بعض الدراسات بين فقدان كروموسوم Y وزيادة احتمالات الإصابة بأمراض مرتبطة بالشيخوخة، من بينها ألزهايمر، إلى جانب زيادة القابلية للعدوى الحادة لدى بعض كبار السن. ومع ذلك، لا يزال العلماء يتعاملون مع هذه النتائج باعتبارها مجالًا بحثيًا مفتوحًا يحتاج إلى مزيد من الدراسات لفهم العلاقة الدقيقة بين السبب والنتيجة.

ويؤكد هذا التحول في فهم كروموسوم Y أن دوره في جسم الرجل قد يكون أوسع بكثير مما كان يعتقد سابقًا. فبعدما كان يُنظر إليه ككروموسوم محدود الوظيفة، بات يُدرس الآن باعتباره عنصرًا مؤثرًا في الصحة العامة والمناعة وطول العمر.

ويزداد الجدل العلمي حول مستقبل كروموسوم Y نفسه، خاصة أنه مر عبر التاريخ التطوري بمراحل انكماش كبيرة، وفقد جزءًا واسعًا من جيناته الأصلية. ويرى بعض العلماء أن هذا الكروموسوم قد يواصل التراجع عبر الزمن، وربما تختفي بعض وظائفه أو تنتقل إلى كروموسومات أخرى في المستقبل البعيد.

في المقابل، يرى فريق آخر من الباحثين أن كروموسوم Y لن يختفي بسهولة، لأن الجينات المتبقية داخله تؤدي أدوارًا مهمة داخل الجسم، ولا تقتصر على الخصوبة أو تحديد الجنس فقط، وهو ما قد يخلق ضغطًا تطوريًا يحافظ على وجوده.

وبين الرأيين، يبقى المؤكد أن كروموسوم Y لم يعد تفصيلًا هامشيًا في علم الوراثة، بل تحول إلى مفتاح مهم لفهم بعض الفوارق الصحية بين الرجال والنساء، خاصة في مرحلة الشيخوخة. كما قد يساعد التوسع في دراسة فقدانه داخل خلايا الدم على تطوير أدوات مبكرة للتنبؤ بمخاطر الأمراض المزمنة لدى الرجال، وفتح الباب أمام طرق علاجية أكثر دقة في المستقبل.