القاهرة مباشر

فتحية رزق.. من مصر إلى عرش غانا

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
فتحية رزق.. من مصر إلى عرش غانا

تبدو حكاية السيدة فتحية رزق وكأنها فصل من رواية حالمة، أقرب إلى قصص الأساطير التي تتوارثها الأجيال، حيث تتحول فتاة مصرية بسيطة إلى سيدة أولى في دولة أفريقية ناشئة، في مشهد يختلط فيه القدر بالحب والنضال.

وُلدت فتحية حليم رزق عام 1932 في حي حلمية الزيتون بالقاهرة، داخل أسرة قبطية متواضعة. تلقت تعليمها في مدرسة نوتردام، وأكملت دراستها حتى المرحلة الثانوية، ثم التحقت بسوق العمل، فاشتغلت بالتدريس قبل أن تنتقل إلى وظيفة في أحد البنوك. عاشت حياة هادئة لا تخرج عن الإطار التقليدي لفتاة مصرية في تلك الفترة، إلى أن جاءتها الصدفة التي غيّرت مسار حياتها بالكامل.

خلال زيارة الزعيم الغاني كوامي نكروما إلى مصر، تعرّف على فتحية، وكان آنذاك يقود حركة تحرير بلاده من الاستعمار البريطاني. نشأت بينهما قصة حب سريعة وعميقة؛ إذ رأى فيها نموذجًا للبساطة والذكاء والدفء الإنساني، بينما رأت فيه مناضلًا يحمل حلم أمة بأكملها.

لم يكن الطريق إلى الزواج سهلًا، فقد واجهت الفكرة رفضًا من أسرتها، خاصة والدتها التي خشيت على ابنتها من الغربة والارتباط برجل أجنبي في بلد بعيد. هنا تدخل الرئيس جمال عبد الناصر، وطمأن الأسرة، مقدمًا ضمانات عززت من شعور الأمان، منها تسهيل التواصل الدائم بين مصر وغانا.

تم الزواج عام 1957، لتبدأ فتحية فصلًا جديدًا من حياتها. ومع إعلان استقلال غانا، أصبح نكروما أول رئيس للبلاد، وتحولت فتحية إلى السيدة الأولى، حيث أطلق عليها الشعب الغاني لقب “عروس النيل”. وعلى الرغم من خجلها في البداية وصعوبة اللغة، فإنها سرعان ما تأقلمت، وتعلمت الإنجليزية، وانخرطت في العمل الاجتماعي، فاهتمت برعاية الفقراء والأيتام، وحرصت على الاقتراب من الناس، خاصة النساء، مبتعدة عن الأضواء السياسية، ومكرسة وقتها لأسرتها وتربية أبنائها الثلاثة.

عاشت بين أكرا والقاهرة سنوات من الاستقرار، حتى وقع انقلاب عام 1966 أثناء وجود نكروما خارج البلاد. وجدت نفسها فجأة أمام واقع جديد، فلجأت إلى الرئيس عبد الناصر، الذي أرسل لها طائرة خاصة أعادتها إلى مصر مع أبنائها، لتبدأ حياة مختلفة في القاهرة بعيدًا عن زوجها، الذي توفي في المنفى عام 1972.

وبرزت مواقفها الوطنية بوضوح، خاصة عقب هزيمة 1967، حين تبرعت بجميع حليّها ومجوهراتها دعمًا للجيش المصري، في تعبير صادق عن انتمائها ووفائها.

وفي عام 1975 عادت إلى غانا مع أبنائها، لتظل جسرًا إنسانيًا يربط بين البلدين، حتى رحلت عام 2007، حيث دُفنت إلى جوار زوجها، الذي ظل حبها الأكبر طوال حياتها. إنها قصة امرأة عادية، صنعت منها الأيام رمزًا للوفاء والقوة والقدر الذي لا يمكن التنبؤ به.