مديحة يسري: حلم الأمومة الذي تحول إلى مأساة
عاشت الفنانة الراحلة مديحة يسري حياة مليئة بالتناقضات بين السعادة الشخصية والمأساة، وخاصة في حلمها الكبير بأن تصبح أمًا. بعد انتهاء علاقتها بالمخرج أحمد سالم، قررت مديحة أن تغلق قلبها عن أي تجربة عاطفية جديدة، غير أن القدر أرسل لها الحب في شخص الفنان محمد فوزي، الذي أحبها في صمت وجس نبضها قبل أن يصرح بمشاعره. وعندما أعلن لها فوزي عن رغبته في الزواج، وافقت مديحة على الخطوبة مع شرط أن يكون الزواج بعد سنة، رغبة منهما في منح الوقت لتثبيت مشاعرهما.
جاء اليوم الذي تحقق فيه حلم مديحة بالأمومة، بعد أن علمت بأنها حامل بابنتهما وفاء، وهو الحلم الذي لم تتحقق له من قبل مع زواجهما السابقين. إلا أن الفرح لم يدم طويلًا، إذ عانت مديحة أثناء الحمل، ومع ولادة وفاء اكتشفت إصابتها بعيوب خلقية حادة تتعلق بالمخ، الأمر الذي شكل صدمة عظيمة لها. ورغم محاولات الأطباء المتكررة والعلاج في مصر والسويد، لم يُفلح أحد في إنقاذ حياة وفاء، ففقدت الطفلة وأصبحت الجرح الكبير في قلب مديحة محور حياتها.
تأثرت مديحة كثيرًا بهذا الحدث، فحولت ألمها إلى فن، وكتبت فيلمًا بعنوان "وفاء" عام 1953، لتخلد ذكرى ابنتها من خلال السينما. وبعد مرور عام، حملت مرة أخرى، فكانت حذرة جدًا أثناء الحمل، ممتثلة لنصائح الأطباء، حتى ولدت ابنها عمرو الذي جلب لها السعادة والفرح لأول مرة حقيقية في حياتها كأم.
لكن القدر لم يرحم، فبعد 26 عامًا، تعرض عمرو لحادث مأساوي أودى بحياته، ليعيد إلى مديحة ألمًا لم تعرف له حدودًا. قالت مديحة إن خبر وفاة ابنها كان صدمة هائلة أفقدتها القدرة على البكاء، وأدخلها في عزلة وتفكر مستمرة، مستغلة وقتها للعبادة والدعاء وقراءة القرآن لروحه. ومع مرور الوقت، تمكنت من تجاوز المحنة بدعم الأصدقاء، لكنها لم تنس ابنها، ولا تزال تحتفظ بصوره وتستشعر وجوده معها بروحها، معتبرة أنه ينتظرها عند باب الجنة لتلتقي به في الآخرة.
حياة مديحة يسري كانت مزيجًا من الفن والألم، فرغم نجاحاتها السينمائية والدرامية، بقي قلبها مرتبطًا بأولادها، وحلم الأمومة الذي تحقق جزئيًا ثم تحول إلى مأساة، شكل محورًا إنسانيًا مؤثرًا في مسيرة حياتها.
