طقوس شادية في رمضان: الصوم والتقشف وحب الفول
كان لشهر رمضان طابع خاص في حياة الفنانة الراحلة شادية، إذ اتسمت علاقته بهذا الشهر بروحانية وعادات مميزة بدأت منذ طفولتها بفضل حرص والدها على تمييز هذا الشهر الفضيل عن باقي شهور العام. فقد كان والدها، الرجل الذي آمن بقيمة الصوم ومعناه الروحي والاجتماعي، حريصًا على أن يعيش أبناؤه أجواء رمضان كما ينبغي، بعيدًا عن الترف واللامبالاة، وجعل الاحتفال بالشهر الكريم تجربة متكاملة تجمع بين العبادة والاعتبار بالعادات والتقاليد.
في سنوات الطفولة، كانت شادية تستمتع بالألوان المختلفة لشهر رمضان، فكان والدها يتفق مع أحد المقرئين الذين كانوا يزورون البيت يوميًا لقراءة القرآن بصوت يجذب الأسرة والجيران، لتصبح القراءة جزءًا من الروتين اليومي الرمضاني. وكان الالتزام بالصيام داخل الأسرة أمرًا مقدسًا، وكان الأب يشرف شخصيًا على إعداد موائد الإفطار والسحور، محققًا توازنًا بين الطقوس الدينية والمتعة الأسرية، ليغرس في نفوس الأطفال قيمة الصبر والمشاركة والروحانية.
مع تقدم شادية في العمر ودخول مرحلة الشباب، تحولت علاقتها بشهر رمضان من الطفولة المرحة إلى علاقة أكثر عمقًا وجدية، إذ باتت ترى في الصوم فرصة للتقشف والسيطرة على الشهوات والتمتع بالروحانية التي يحملها الشهر. فقد أدركت أن رمضان ليس مجرد وقت لتناول الطعام أو حضور السهرات الاجتماعية، بل هو شهر يتيح لها فرصة للتأمل، والانغماس في العبادات، وتجربة حياة الفقراء كما ينبغي أن يشعر بها المؤمن.
وكانت شادية، بوعي كامل، تولي اهتمامًا خاصًا بإعداد الفول المدمس، الذي اعتبرته هوايتها الرمضانية المميزة. ففي رأيها، الفول يمثل "طعام الفقير"، وكان بإعدادها له يوميًا محاولة لتقليد حياة البسطاء وتجربة الصوم بطريقة تعكس المعاني العميقة للامتناع عن اللذات الدنيوية. وقد أفصحت شادية عن وصفة الفول الخاصة بها في حوار نشرته مجلة "الكواكب" عام 1954، مشيرة إلى أنها تنقع الفول في الصباح وتضعه في الدماسة المجهزة على مصباح الغاز، وتتركه ينضج على نار هادئة حتى موعد الإفطار، مؤكدة أن هذا الأسلوب يعطي الفول طعمًا متكاملًا ويعده بطريقة مثالية.
بعد أن ينضج الفول، كانت شادية تضعه على طبق وتضيف إليه شرائح الطماطم والبصل، لتصبح وجبة متكاملة تجمع بين البساطة والمذاق الشهي، وتقول في هذا الصدد: "سوف تجدينه قبل موعد الإفطار قد نضج على النار الهادئة بشكل كافي، وأراهنك أنك بعد طبق الفول المنزلي بهذه الطريقة ستحبين رمضان وطعام الفقراء طوال العام". تعكس هذه المقولة فلسفة شادية الرمضانية، التي جمعت بين البساطة والتقشف والاحترام العميق للمعاني الدينية والاجتماعية للشهر الكريم.
لم تكن شادية تقتصر على إعداد الطعام فحسب، بل كانت أيضًا تهتم بالجو الروحي داخل البيت، إذ كانت تدمج بين القراءة والتأمل والصلاة، وتجعل الإفطار فرصة للتقارب الأسري. ومع مرور السنوات، استمرت هذه الطقوس لتصبح جزءًا لا يتجزأ من شخصيتها، فحتى مع شهرتها الكبيرة في السينما المصرية، لم يحدها العمل الفني عن ممارسة طقوس رمضان بروحها الخاصة. فقد رفضت تصوير أعمال فنية في أيام الصوم إلا للضرورة، مفضلة الانغماس في قراءة القرآن ومتابعة الدروس الدينية وتأمل الحياة.
وتحكي شادية عن شعورها الخاص بالشهر الكريم، موضحة أن رمضان كان يمثل لها أكثر من مجرد صوم عن الطعام والشراب، بل كان مناسبة لتزكية النفس وتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية، وإعادة النظر في قيم الحياة البسيطة، بعيدًا عن الأضواء والشهرة. وكان اهتمامها بالفقير والطعام البسيط يعكس موقفها الإنساني العميق، الذي جمع بين الفهم الديني للحياة وروحانيات الصوم، وبين إحساسها بالمسؤولية الاجتماعية تجاه المجتمع.
كما أنها كانت تركز على المعاني الرمضانية في تربيتها لأبنائها ومحبيها، معتبرة أن رمضان هو مدرسة للصبر والخلق والروحانية، وأن تجربة الفقر البسيط من خلال الطعام المقدم على المائدة تعلم الإنسان تقدير النعم والرحمة، وهو درس يتجاوز حدود الأسرة ليصل إلى المجتمع كله.
ويمكن القول إن طقوس شادية الرمضانية لم تكن مجرد عادات يومية، بل كانت فلسفة حياتية تعكس التوازن بين الروحانية والعمل والإبداع، بين الفن والدين، بين الشهرة والإنسانية. فقد نجحت شادية في تقديم مثال حي للفنانة الملتزمة التي تعرف كيف تستثمر الشهر الكريم في تعزيز روحها، وممارسة القيم الاجتماعية والدينية، مع الحفاظ على بساطة الحياة ومتعتها، وترك إرث روحي وأخلاقي لا يُنسى في تاريخ نجوم الزمن الجميل.
بهذه الطريقة، تركت شادية بصمة خاصة على رمضان، تعلم الأجيال معنى الصوم والتقشف، وأهمية الربط بين العبادة والحياة اليومية، لتظل ذكراها مرتبطة بالشهر الكريم، وطقوسها نموذجًا للفنانة التي تحافظ على دينها وروحانيتها وسط بريق الفن والشهرة.
