القاهرة مباشر

فريد شوقي يعيش رمضان على طريقة «غاندي»

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
فريد شوقي يعيش رمضان على طريقة «غاندي»
للفنان الكبير فريد شوقي ذكريات مميزة مع شهر رمضان، فهي لم تكن بالنسبة له مجرد أيام للصيام والاحتفال، بل كانت فرصة للتأمل والعيش بأسلوب حياة أقرب إلى الزهد والتقشف، مستوحاة من نماذج عالمية مثل الزعيم الهندي المهاتما غاندي، الذي جمع بين البساطة والإيمان والالتزام بالمبادئ.   في أحد حواراته النادرة لمجلة الكواكب عام 1956، روى فريد شوقي تفاصيل تجربته الرمضانية في شبابه، حين كان يقيم مع أسرته في حي الحلمية، ذلك الحي العريق الذي عرف ببيوته الكبيرة وأجوائه الرمضانية الخاصة. كانت سهرات الذكر في المنازل المختلفة من أبرز مظاهر الشهر الكريم، سواء في بيت المرحوم محمد توفيق نسيم باشا رئيس الوزارة، أو في بيوت محمود باشا حسين وتيمور باشا وعيسوي زايد باشا، حيث كان كل بيت يتنافس على استضافة مشاهير المقرئين لإحياء سهرات رمضان.   كان شوقي في تلك الفترة يستمتع بالطواف بين هذه البيوت مع أصدقائه، مستمعًا إلى الأحاديث الدينية، ومتابعًا لحلقات الذكر والمواعظ الروحية التي أضفت على الشهر أجواءً خاصة، بعيدة عن ضوضاء الحياة اليومية. ومن بين هذه اللقاءات، نشأت صداقة قوية مع شاب من أسرة عريقة في الحي، عرف بالتقوى والزهد، فقد كان يعيش حياة بسيطة جدًا رغم ثراء أسرته.   ذهبت فريد شوقي لبيت صديقه، حيث فوجئ بمشهد يوضح فلسفة الزهد: صديقه جالس على حصيرة بجانب سرير متواضع، ولا يوجد أي رفاهية في الغرفة. وبعد التحية، قدم له صديقه إفطارًا بسيطًا، مكونًا من «بلح أبريمي» وكوب من اللبن. ثم أخرج كتابًا عن حياة غاندي، وبدأ يشرح له فلسفة الزعيم الهندي في السياسة والحياة، مركزًا على إخلاصه لقضيته وتواضعه في أسلوب حياته، بما يتناسب مع قيمه الدينية.   تأثر فريد شوقي بهذه التجربة، وبدأ يقترب من دراسة حياة غاندي، حتى طلب من صديقه أن يقرضه الكتاب ليقرأه تحت إشرافه. ومع مرور الأيام، استمر في حضور سهرات رمضان مع صديقه، يعيش على اللبن والبلح الأبريمي، ويتعمق في فلسفة غاندي التي مزجت بين الزهد والروحانية، مع الانخراط في طقوس الشهر الكريم من صلاة وذكر وقراءة القرآن.   كانت تجربة الإفطار والسحور مع صديقه مختلفة تمامًا عن حياة الرفاهية التي اعتادها، حيث كان السحور بسيطًا جدًا، يقتصر غالبًا على اللبن، ومع ذلك شعر فريد شوقي بالصفاء الداخلي والطمأنينة التي تمنحها الروحانية في رمضان. ومع نهاية الشهر، أصبح هذا النمط جزءًا من تقاليده الرمضانية، حتى حين انشغاله بأعماله الفنية وانتقاله خارج القاهرة، كان يحرص على اتباع روح هذا الزهد الرمضاني في حياته اليومية.   لكن حياة صديقه الزاهد لم تدم طويلاً، إذ توفي نتيجة ضعف شديد أصابه بسبب نقص المواد الغذائية التي اعتاد عليها طوال العام، حيث عاش أغلب أيامه على اللبن فقط. وعندما بلغ فريد شوقي خبر وفاته، أدرك حجم التضحية الذي كان يقوم به صديقه، وأثر ذلك على نظرته للحياة والرفاهية، فأصبح يحذر من الإفراط في الطعام ويفضل البساطة والروحانية في شهر رمضان، مستحضرًا تجربة صديقه وأخلاقيات غاندي في حياته اليومية.   بهذه الطريقة، لم يكن رمضان بالنسبة لفريد شوقي مجرد صيام أو طقوس عابرة، بل كان مدرسة تعلمه الصبر والتواضع والتأمل في الحياة، كما أعطته فرصة للتفكير في القيم العليا بعيدًا عن شهرة الفن ومغرياته. لقد جمع بين حب الفن والتزامه الروحي، ليصبح مثالًا للفنان الذي يستطيع أن يعيش تجربة روحية عميقة في قلب الحياة الاجتماعية والفنية المزدحمة.   هذه القصة تعكس جانبًا آخر من شخصية فريد شوقي، بعيدًا عن الأكشن والبطولة على الشاشة، حيث جسدت حياته اليومية في رمضان التزامًا بالقيم الإنسانية والروحانية، مستلهماً في ذلك حياة الزاهدين مثل غاندي، ومعطيًا دروسًا في البساطة والاعتدال والصفاء النفسي لكل من يتابع سيرته، حتى بعد رحيله.   رمضان بالنسبة له لم يكن مجرد شهر، بل كان تجربة حياتية كاملة تتجلى فيها روح التضحية، الزهد، والحب الحقيقي للإنسانية، وهو ما جعله أحد أبرز نجوم الزمن الجميل الذين جمعوا بين الفن والإيمان في حياتهم اليومية.