القاهرة مباشر

بهيجة المهدي.. فاتنة السينما المصرية التي احتضنتها الأسرار والغموض

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
بهيجة المهدي.. فاتنة السينما المصرية التي احتضنتها الأسرار والغموض
وُلدت هنريت كوهين، التي عُرفت في مصر باسمها الفني بهيجة المهدي، في مدينة الإسكندرية في الثامن من أغسطس عام 1911، داخل أسرة يهودية تنتمي إلى طائفة الحريديم المعروفة بتشددها الديني، وهي من أكثر الطوائف اليهودية محافظةً، خاصة فيما يتعلق بدور المرأة وحياتها الاجتماعية. كان والدها من أثرياء اليهود في مصر، وقد حظي بمكانة بارزة داخل الطائفة بفضل ثروته ونفوذه، حتى أصبح في فترة من الفترات أحد زعمائها الدينيين في البلاد.   عاشت هنريت طفولتها الأولى في الإسكندرية وسط حياة مرفهة نسبيًا، لكن حياتها شهدت تحولًا مهمًا عندما بلغت السادسة عشرة من عمرها. ففي تلك الفترة قررت عائلتها الانتقال إلى القاهرة، والاستقرار في حارة اليهود بحي الجمالية، حيث كان يعيش أكبر تجمع لأبناء الطائفة اليهودية في مصر آنذاك. وبسبب مكانة والدها الدينية والاجتماعية، أصبحت العائلة واحدة من أبرز العائلات اليهودية في المجتمع المصري.   منذ طفولتها، أظهرت هنريت ميولًا واضحة نحو الفن والتمثيل، وهو أمر لم يكن مألوفًا في بيئتها المحافظة. فقد كانت شغوفة بالمسرح والتمثيل، وتتابع باهتمام أخبار الفرق المسرحية التي بدأت تنشط في مصر خلال تلك الفترة. وعندما أُعلن عن تأسيس فرقة مسرحية جديدة بقيادة الفنانة فاطمة رشدي، رأت في ذلك فرصة لتحقيق حلمها الفني.   تقدمت هنريت للانضمام إلى الفرقة، وكان جمالها اللافت وثقافتها وموهبتها سببًا في قبولها سريعًا. وهكذا بدأت خطواتها الأولى في عالم الفن، واختارت لنفسها اسمًا فنيًا هو بهيجة المهدي، وهو الاسم الذي عُرفت به لاحقًا في الأوساط الفنية. لم تدم مسيرتها الفنية طويلًا، لكنها استطاعت خلال تلك السنوات أن تلفت الأنظار بحضورها وجاذبيتها على خشبة المسرح.   وخلال عملها في الوسط الفني، تعرّفت بهيجة إلى رجل يهودي مصري ثري يُدعى إيلي درهي، وكان مليونيرًا معروفًا في ذلك الوقت، كما كان يكبرها في السن بنحو خمسين عامًا. نشأت بينهما علاقة عاطفية بعد سلسلة من اللقاءات والسهرات الاجتماعية، وتحولت تلك العلاقة إلى قصة حب انتهت بالزواج. وبالرغم من الفارق الكبير في العمر، بدا الزواج في بدايته مستقرًا، وأنجبت منه طفلًا.   لكن هذا الزواج لم يدم طويلًا؛ فبعد ثلاث سنوات فقط توفي زوجها، لتجد بهيجة نفسها أرملة شابة لم تتجاوز العشرين من عمرها، لكنها في الوقت نفسه أصبحت تمتلك ثروة كبيرة جعلتها واحدة من أغنى سيدات الوسط الفني في تلك الفترة. وبعد وفاة زوجها، قررت الابتعاد عن عالم الفن، خاصة أن مسيرتها الفنية لم تتجاوز خمس سنوات تقريبًا.   مع مرور الوقت، بدأت الأوضاع السياسية والاجتماعية في المنطقة تتغير بشكل كبير، خاصة مع تصاعد الصراع العربي الإسرائيلي. وبعد حرب عام 1948 وإعلان قيام دولة إسرائيل، أصبحت أوضاع كثير من اليهود في مصر أكثر تعقيدًا، خاصة الأسر الثرية التي تعرضت لضغوط اجتماعية واقتصادية، مثل مقاطعة بضائعهم وتراجع نفوذهم، إلى جانب التحولات السياسية التي شهدتها البلاد.   في تلك الظروف، قررت بهيجة المهدي اتخاذ خطوة حاسمة. فقد قامت ببيع ممتلكاتها وتحويل ما تملكه من أموال إلى ذهب، ثم غادرت مصر سرًا برفقة والدتها دون أن تترك خلفها أي معلومات عن وجهتهما. وبعد فترة تبيّن أنها استقرت في تل أبيب، حيث بدأت حياة جديدة بعيدة تمامًا عن ماضيها في مصر.   في إسرائيل تزوجت مرة أخرى، وأنجبت طفلة، ونجحت في بناء حياة مختلفة تمامًا، إذ أصبحت واحدة من سيدات الأعمال البارزات هناك، مستفيدة من ثروتها وخبراتها الاجتماعية. لكن هذه الحياة المستقرة لم تستمر طويلًا، إذ بدأت ملامح اضطراب نفسي خطير تظهر عليها في بداية السبعينيات.   ففي عام 1974 أُصيبت بمرض نفسي حاد تمثل في نوبات من الذهان العقلي، رافقته هلاوس وضلالات غريبة. كانت تؤكد لمن حولها أنها ترى قطًا أسود يطاردها أينما ذهبت ويتحدث إليها، بينما لم يكن أحد من المحيطين بها يرى شيئًا. ومع مرور الوقت أصبحت مقتنعة تمامًا بوجود هذا الكائن الوهمي، وراحت تخبر الجميع بأن القط يلاحقها ويحاول إيذاءها.   لم يصدقها كثيرون، واعتبروا أن ما تقوله مجرد أوهام نتيجة تدهور حالتها العقلية. لكن المرض أخذ يتفاقم تدريجيًا، حتى وصلت إلى مرحلة خطيرة فقدت فيها السيطرة على تصرفاتها.   وفي إحدى الليالي وقعت مأساة مروعة، إذ أقدمت هنريت على إطلاق النار على زوجها ووالدتها وابنتها، ما أدى إلى مقتلهم جميعًا. وعندما خضعت للتحقيقات أكدت أنها لم تكن تقصد قتلهم، بل كانت تحاول إطلاق النار على القط الأسود الذي يطاردها منذ فترة طويلة.   وبعد فحصها من قبل الأطباء النفسيين، تأكدت إصابتها باضطراب عقلي خطير، فأمرت المحكمة بإيداعها مستشفى للأمراض العقلية، حيث وُضعت في القسم الخاص بالحالات الخطرة خوفًا من أن تؤذي نفسها أو الآخرين.   قضت هنريت سنوات طويلة داخل المستشفى، حتى نشرت الصحف الإسرائيلية في أواخر سبعينيات القرن العشرين خبر وفاتها في ظروف غامضة. فقد عُثر عليها في غرفتها مخنوقة، بينما كانت عيناها منزوعتين من محجريهما في حادثة أثارت الكثير من التساؤلات. ورغم التحقيقات التي أُجريت آنذاك، لم يتم التوصل إلى تفسير واضح لكيفية وفاتها أو للظروف التي أحاطت بالحادث.   أما في مصر، فقد بقي قصرها القديم مهجورًا لسنوات طويلة بعد رحيلها، وانتشرت بين سكان المنطقة قصص وأساطير عن أصوات غريبة وأشباح يُقال إنها تسكن المكان. وظل القصر مغلقًا حتى قامت ثورة 23 يوليو 1952، حين بدأت الدولة إجراءات تأميم أملاك الإقطاعيين وكبار الملاك.   وعندما وصلت لجنة التأميم إلى القصر، اكتشفت مشاهد صادمة داخل أقبية المبنى. فقد عُثر على بقايا عظام بشرية وجثث متحللة في سراديب القبو، بعضها كان معلقًا بسلاسل حديدية، فيما بدت على بعض الهياكل آثار تعذيب شديد، مثل أطراف مفقودة أو رؤوس مقطوعة.   وبعد التحقيقات الأولية، تبيّن أن بعض هذه الجثث يعود لأشخاص اختفوا منذ سنوات، من بينهم فتيات صغيرات وأطفال وعدد من الأشخاص الذين لم يُعرف مصيرهم في السابق. كما اكتُشف داخل القصر مكان يُعتقد أنه كان مخصصًا لممارسة طقوس سحرية، حيث وُجدت رموز وطلاسم غريبة يُقال إنها كُتبت بالدم.   ورغم كل ما أُثير حول هذه الحادثة، بقيت كثير من تفاصيلها غامضة، لتظل قصة هنريت كوهين، أو بهيجة المهدي، واحدة من أكثر القصص إثارة للجدل والغموض في تاريخ الحكايات المرتبطة بزمن الفن القديم في مصر.