رمضان جانا.. أغنية بستة جنيه وذكريات لا تُنسى
كل عام، مع اقتراب شهر رمضان، تتردد في أذهاننا أنغام "رمضان جانا"، تلك الأغنية التي أصبحت جزءًا من ذاكرة هذا الشهر المبارك في مصر. يسمعها الجميع في الراديو والتلفزيون، وفي الشوارع والأسواق، قبل رمضان بأيام، وحتى بعده، وكأنها نغمة لا تغيب عن القلب والذاكرة. لكنها، كما هو الحال مع معظم التحف الفنية، لها قصة لا يعرفها كثيرون، وسبب غنائها الأول، وربما الأكثر غرابة، كان ستة جنيهات فقط.
القصّة تبدأ مع حسين طنطاوي، كاتب كلمات الأغنية، ومحمود الشريف، ملحنها. أرادوا أن تُغنى الأغنية بصوت سلطان الإذاعة أحمد عبد القادر، الذي كان معروفًا بأعماله الشهيرة مثل "وحوي يا وحوي" و"اياحا". ذهب عبد القادر إلى الإذاعة، لكن المفاجأة كانت أن القائمين على البرنامج رفضوا، بحجة أن مطربًا لا يمكنه أن يغني أكثر من أغنية رمضانية في الموسم نفسه، وطلبوا تغييرها لتصبح "شعبان جانا"، وهو ما رفضه عبد القادر بكل استهزاء.
وهنا جاء التحول الغريب، حيث تم عرض الأغنية على عبد المطلب، الفنان الذي يستحق إعادة الاكتشاف لاسيما وأن موهبته كانت مهضومة لسنوات طويلة. السبب وراء اختياره يعود إلى أنه متزوج من أخت الملحن محمود الشريف، وكما يقول المثل "الأقربون أولى بالمصلحة".
عبد المطلب لم يكن مقتنعًا بالأغنية في البداية، لكنه كان مديونًا ويحتاج المال، وقد قُدم له عرض الإذاعة ستة جنيهات فقط مقابل أدائها، وهو ما دفعه للموافقة. وحسب وجدي الحكيم، الإذاعي الشهير: "طلب حصل على 6 جنيه مقابل أداء هذه الأغنية لأنه كان محتاج لهم ومزنوق في المبلغ ده". وفي حوار لاحق قال عبد المطلب: "أغنيتي أهم من بيان المفتي، ولو أخذت جنيهًا واحدًا عن كل مرة تُذاع فيها، لكنت مليونيرًا ومن أغنى الأغنياء".
الأغنية الأصلية، كما نقلها الباحث وسيم عفيفي في موقع "تراثيات"، كانت مختلفة قليلًا عما نسمعه اليوم:
"الليل نولع قناديلك والشمع يقيد،
والليل بطوله نغنيلك ونقول ونعيد،
وندور على بيوت أصحابنا،
نملى جيوبنا من أحبابنا،
من العصر نستنى المدفع وودانا معاه،
من ساعة ما يلعلع في الجو صداه،
والأكل قدامنا محمر ومشمر،
رمضان جانا أهلاً رمضان."
مع دخول الكهرباء وتغير نمط الحياة، شعرت الجهات المسؤولة أن إشعال الشموع والقناديل أصبح غير منطقي، فتم تعديل كلمات الأغنية قليلًا لتناسب العصر الجديد. حتى في بث التلفزيون، تم حذف جملة "من العصر نستنى المدفع" من المونتاج، بلا تفسير واضح.
وبصوت عبد المطلب، كانت كلمات الأغنية تعكس روح الانتظار والشوق لرمضان:
"بتغيب علينا وتهجرنا وقلوبنا معاك،
وفي السنة مرة تزورنا وبنستناك،
من امتى واحنا بنحسبلك ونوضبلك ونرتبلك،
رمضان جانا.. قولوا معانا.. أهلا رمضان."
تُظهر هذه القصة كيف يمكن لأغنية بسيطة بستة جنيهات أن تتحول إلى أيقونة رمضانية خالدة، وكيف لعبت الظروف المادية والشخصية دورًا محوريًا في صناعة هذا التراث الفني. فبين الحاجة للمال، والاختيار العائلي، والتعديل على النص الأصلي، ظهر لنا رمضان جانا كما نحبه اليوم، ويرتبط في الذاكرة الجمعية لكل المصريين.
إنها ليست مجرد أغنية، بل رمز للتراث الإذاعي والسينمائي المصري، ودرس في كيف يمكن للموهبة والظروف أن تتحد لتخلق لحظات لا تُنسى، وتظل تتردد على ألسنة الناس سنة بعد سنة، حتى بعد مرور عقود، لتبقى جزءًا لا يتجزأ من أجواء شهر رمضان المبارك.
