مريم فخر الدين و”شيطان الصحراء”: تجربة استثنائية مع يوسف شاهين وعمر الشريف
في عالم السينما المصرية، هناك تجارب تبقى محفورة في الذاكرة رغم الصعوبات والمواقف الغريبة التي تمر بها، وتجربة مريم فخر الدين في فيلم "شيطان الصحراء" أحد أبرز هذه الأمثلة. الفيلم جمعها بـ عمر الشريف تحت إخراج يوسف شاهين، وقد مثل فرصة وتجربة استثنائية في حياتها الفنية، لكنها كانت تجربة مليئة بالتحديات والصعوبات التي لم تتوقعها.
حين تلقت مريم فخر الدين عرض المشاركة في الفيلم، وافقت على الفور وبدأت رحلتها التصويرية. في تلك الفترة، كانت الصحافة تتحدث عن يوسف شاهين، مخرجه المصري الشهير، الذي عاد من الخارج محملاً بتقنيات حديثة وفكر جديد قد يغير معايير الإخراج في مصر. وبمجرد عودتها من التصوير، كانت مريم تحكي لإخوانها عز الدين، محمود، وصلاح ذو الفقار عن أساليب شاهين الثورية: "ولا عمري شفت مخرج زيه… دا بيحط الكاميرا فوق الحصان… يحفر للكاميرا في الأرض والحصان ينط عليها… الحركة طبيعية جدًا، مش زي اللي انتوا بتعملوه".
لكن مع مرور الوقت، بدأت مريم تشعر بالإرهاق والانزعاج الشديد من أسلوب شاهين المرهق، إلى درجة أنها شعرت بالكره تجاهه وحتى تجاه اليوم الذي وُلدت فيه. الفيلم، الذي كان ثاني أفلام عمر الشريف، لم يحظ بحب أي من المشاركين فيه؛ فحتى شاهين نفسه لم ينجح في إضفاء سحر خاص على العمل. المنتج خسر كل أمواله، وعاد إلى اليونان ليعمل في وظيفة بسيطة.
التصوير كان يتم من الخامسة صباحًا حتى الثامنة مساءً في منطقة أبو رواش، حيث البركة المائية التي كانت جزءًا من المشهد، والتي كانت في الواقع مجرى لمياه الصرف الصحي. رغم جمال المنظر من بعيد، إلا أن مريم واجهت واقعًا مزعجًا، واضطرت بعد كل يوم تصوير للعودة إلى منزلها عبر نفس المجاري لتغسل نفسها، ما يعكس مدى صعوبة التصوير في ظروف صعبة وقاسية.
إحدى الحوادث الشهيرة في الفيلم كانت عندما طلب شاهين من عمر الشريف شد ضفيرة مريم لمشهد رومانسي، فانزلقت مريم وسقطت في مجرى المياه، لكنها واصلت التصوير بصبر وإصرار. كما واجهت مشهدًا آخر كان يتطلب أن تمسك لجام الحصان بينما يقترب الممثلون الآخرون، والحرامية، من المشهد. شاهين كان يصور من بين رجلَي الحصان، فصرخت مريم، لكنها تمسكت بالحركة وأكملت المشهد رغم التكرار المستمر والتعرض لرش المياه الساخنة على وجهها ورأسها، قائلاً لها المصور لاحقًا: "الحصان لبى نداء الطبيعة وجات ع حضرتك".
رغم هذه الظروف الغريبة والمواقف الاستثنائية، أكدت مريم أنها لن تعمل مع يوسف شاهين مرة أخرى في حياتها، مؤكدة صعوبة المشهد والإرهاق الذي تعرّضت له. ما يضيف بعدًا آخر للحدث، أن صوت عمر الشريف لم يظهر في الفيلم على الإطلاق، وهو ما جعل التجربة تبدو أكثر غرابة بالنسبة لها وللمشاهدين.
"شيطان الصحراء" لم يكن مجرد فيلم، بل كان رحلة تعليمية وتجربة احترافية فريدة، حيث واجهت مريم فخر الدين تحديات جسدية ونفسية هائلة، واختبرت صبرها ومهارتها أمام إخراج صارم ومتطلب. وبينما كانت الصحافة تراقب كل تفاصيل الفيلم وطرق شاهين الجديدة في التصوير، اكتشفت مريم أن الموهبة وحدها لا تكفي، بل يجب أن يصاحبها صبر وإصرار وإرادة قوية لمواجهة أصعب الظروف.
تجربة مريم فخر الدين مع شاهين وعمر الشريف تركت أثرًا عميقًا في مسيرتها، وأثبتت أن الفن المصري القديم كان يقوم على العمل الدؤوب والتحدي، حتى في أحلك الظروف. الفيلم، رغم إخفاقه التجاري، ظل علامة في تاريخ السينما المصرية، وتجربة مريم تبرز كدرس في الصبر والاحترافية والالتزام بالمهنة، حيث تحملت الصعاب من أجل تقديم أفضل أداء ممكن، وواجهت مواقف غير متوقعة بصبر وشجاعة استثنائية.
