رحلة عبر برامج رمضان في زمن الفن الأصيل
مع حلول شهر رمضان، تتسابق القنوات لتقديم برامج تعتمد غالبًا على إثارة الفضول وكشف أسرار الضيوف أو إعداد المقالب والصراخ، وكل وسيلة ممكنة لجذب المشاهدات. لكن لو أخذنا خطوة إلى الوراء، نجد أن رمضان كان في الماضي منصة للإبداع والمرح، يقدم محتوى متنوعًا بعيدًا عن المبالغة والابتذال. فلنأخذ جولة عبر أبرز برامج رمضان في الزمن الجميل.
بدأت الرحلة مع طارق علام وبرنامجه الشهير "كلام من دهب"، أحد أوائل البرامج التي نزلت إلى الشارع بالكاميرا، حيث كان يسأل الناس أسئلة متنوعة، والجائزة كانت جنيه دهب. التتر الخاص بالبرنامج بقي خالدًا في أذهان الناس حتى الآن، وكلمات محمد فضل، وتلحين وغناء رياض الهمشري أضفت طابعًا فنيًا لا يُنسى. كانت أسئلة علام تجمع بين الطرافة والفضول، مثل: "كلام ست عاقر، ممكن بنتها تخلف؟" أو "الميل فيه كام متر؟"، لكنه كان يجعل الضيف يشعر وكأنهم يعرفون بعض منذ عشرين سنة، بأسلوب سلس يزيل الحواجز ويخلق أجواءً حميمة على الشاشة. رغم محاولته إعادة البرنامج لاحقًا على قناة المحور، لم ينجح، لأن "الناس ليست هي نفسها والزمن ليس هو الزمن".
ثم كان هناك برنامج "بدون مونتاج" مع دينا رامز، الذي عرض لقطات كواليس المسلسلات حيث يخطئ الممثلون ويضحكون، موفرًا مادة ممتعة للمشاهدين لرؤية النجوم على طبيعتهم. استمر البرنامج لمدة تسع سنوات، وترك بصمة كبيرة في ذاكرة التلفزيون المصري، خاصة مع الضحكات الشهيرة لحسن فايق وحركة دينا رامز المشهورة بغمزة العين وحركة اليد.
"حوار صريح جدًا" مع منى الحسيني، كان نموذجًا للحوار المفتوح دون تجريح، وتتر البرنامج بأداء علي حميدة أضفى جوًا مريحًا للمشاهدين، ما جعله مادة ناجحة جدًا، حتى أنه ألهم فيلم "لولاكي".
أما برنامج "يا تليفزيون يا" مع رسام الكاريكاتير رمسيس، فقدّم فكرة مبتكرة برسم الضيف كاريكاتيريًا مع التعليق الفكاهي، مثل حلقات عائلة سميرة وخيرية أحمد أو محمد العربي وهناء ثروت قبل اعتزالها.
ويمكننا أيضًا ذكر برامج مثل "هذا المساء" مع سمير صبري، الذي كان يعرض أفضل العروض المسرحية والسينمائية ويعلن عن أبرز الكتب الجديدة، مما جعل رمضان منصة ثقافية وترفيهية متكاملة.
أما الكاميرا الخفية، فقدمتها أسماء كبيرة مثل إسماعيل يسري وفؤاد المهندس، ولاحقًا إبراهيم نصر، الذين حرصوا على ألا يشعر الضيف بالتلفيق أو المبالغة، بل على تقديم مقالب خفيفة بروح الدعابة، بعكس ما نراه اليوم من إثارة وجلبة مستمرة.
برنامج "جزيرة الأرقام" مع سعاد نصر، و"ثلاثة في ثلاثة" مع عدة مذيعات، ومسلسل "بكار" ساعة الإفطار، وكارتون "ظاظا" و"جرجير"، و"وانت عامل إيه" مع هنيدي، علاء ولي الدين، صلاح عبد الله وعلاء مرسي، كلها كانت برامج تضيف البهجة والتسلية للعائلة المصرية، بعيدًا عن فضح الضيوف أو الصراخ المستمر.
وحتى برامج المقابلات مثل "مذيع رغم أنفه"، الذي أتاح للضيف أن يكون هو المذيع ويختار من يحاوره، قدمت حوارات إنسانية دافئة، مثل اللقاء الذي جمع فريد شوقي بـ فاطمة رشدي، الذي رفع معنوياتها قبل وفاتها، مؤكدةً قدرة الفن على الجمع بين المتعة والاحترام والتقدير.
رمضان في زمن الفن الأصيل لم يكن مجرد صراع على المشاهدات، بل منصة للإبداع، الثقافة، الفكاهة، والمرح الصادق. برامج مثل كلام من دهب، بدون مونتاج، حوار صريح جدًا، يا تليفزيون يا، هذا المساء، الكاميرا الخفية، جزيرة الأرقام، ثلاث في ثلاثة، وانت عامل إيه، ومذيع رغم أنفه، تثبت أن المحتوى الجيد يصنع ذكريات جميلة، بعيدًا عن صخب البرامج الحديثة التي تعتمد على الفضائح والمقالب.
في النهاية، رمضان الأصيل كان مساحة للإبداع، لكل من يريد أن يقدم الفن بصدق، بعيدًا عن الصراخ، زعيق الكل، وكل وسيلة للحصول على المشاهدات.
