القاهرة مباشر

حي العجوزة.. قصة اسم ارتبط بسيدة صنعت تاريخ مكان

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
حي العجوزة
حي العجوزة

يُعد حي العجوزة أحد الأحياء الراقية في محافظة الجيزة، ويقع في موقع مميز بالقرب من حي المهندسين وعلى ضفاف نهر النيل. ورغم شهرته السكنية والتجارية، يجهل كثيرون أصل تسمية الحي، والتي لا تعود إلى وصف جغرافي أو عمراني، بل ترتبط بحكاية إنسانية وتاريخية لسيدة لعبت دورًا مهمًا في تشكيل هوية المكان.

تغييرات عمرانية في عصر الخديوي إسماعيل

تعود جذور القصة إلى أواخر عصر الخديوي إسماعيل، الذي شهدت مصر خلال حكمه مشروعات عمرانية واسعة، من بينها بناء قصره الجديد في جزيرة الزمالك. هذا المشروع استلزم تغييرات كبيرة في مجرى نهر النيل، حيث تم حفر فرع مائي جديد عُرف آنذاك باسم «البحر الأعمى»، وهو ما أدى إلى إعادة تشكيل المنطقة المحيطة ونقل عدد من السكان من مساكنهم البسيطة إلى الضفة الغربية للنيل، التي أصبحت لاحقًا نواة حي العجوزة.

محمد شريف باشا وحلم لم يكتمل

في تلك الفترة، برز اسم محمد شريف باشا صبري، أحد كبار رجال الدولة، والذي تولى رئاسة وزراء مصر في أكثر من وزارة. كان شريف باشا يمتلك أرضًا مطلة على نهر النيل في المنطقة الجديدة، وحلم ببناء جامع كبير عليها، إلا أن وفاته حالت دون تحقيق هذا المشروع، ليظل الحلم معلقًا دون تنفيذ.

زوجة تحقق الوصية

لم ينتهِ الحلم بوفاة محمد شريف باشا، حيث قررت زوجته نازلي هانم، ابنة سليمان باشا الفرنساوي، أن تتولى تنفيذ أمنية زوجها. وعلى الرغم من تقدمها في العمر، إذ تجاوزت التسعين عامًا، فإنها أصرت على الإشراف بنفسها على أعمال بناء الجامع، في مشهد لفت انتباه سكان المنطقة والفلاحين الذين شاهدوا سيدة مسنة تتابع تفاصيل البناء وسط العمال.

من جامع إلى اسم منطقة

مع مرور الوقت، أصبح المسجد يُعرف بين الأهالي باسم «جامع الست العجوزة»، نسبة إلى نازلي هانم التي أشرفت على بنائه بنفسها. وتحول الاسم تدريجيًا من مجرد وصف شعبي للجامع إلى علامة مميزة للمكان، قبل أن يمتد ليشمل المنطقة بأكملها، التي عُرفت رسميًا باسم حي العجوزة، تخليدًا لذكرى السيدة التي ارتبط اسمها بنشأة الحي.

عائلة صبري وبصمتها في القاهرة

لم تتوقف بصمات عائلة صبري عند حي العجوزة، إذ لعبت دورًا مهمًا في تاريخ القاهرة الاجتماعي والسياسي. ومن بين أفراد العائلة توفيقة هانم، ابنة محمد شريف باشا، والتي أنجبت ابنتين، نازلي ونوال. وقد أصبحت نازلي لاحقًا ملكة لمصر، بينما توفيت شقيقتها نوال في سن صغيرة، وهو الحدث الذي ترك أثرًا عميقًا في نفس والدها.

شارع نوال.. اسم وراء حكاية

تأثر والد نوال بوفاتها بشكل كبير، وقرر تخليد اسمها بإطلاقه على قصره الذي عُرف باسم «سراي نوال». ومع مرور الوقت، انتقل الاسم إلى أحد الشوارع القريبة، ليصبح شارع نوال، أحد الشوارع المعروفة حاليًا، دون أن يدرك كثيرون القصة الإنسانية التي تقف خلف تسميته.

شوارع تحكي تاريخ المدينة

تكشف قصة حي العجوزة وشارع نوال عن جانب مهم من تاريخ القاهرة، حيث لا تقتصر الشوارع والأحياء على كونها مساحات عمرانية، بل تحمل في طياتها حكايات أشخاص، وأحلام لم تكتمل، ومشاعر إنسانية تركت أثرها في ذاكرة المدينة، لتبقى الأسماء شاهدة على تاريخ لا يراه المارّون كل يوم.