ضحيتها الشجاعة: قصة بهيجة رشدي دفعت حياتها ثمن دفاعها عن شرف شقيقتها
ولدت بهيجة رشدي في أسرة فقيرة من محافظة الشرقية، وسط معاناة حقيقية مع شقيقتها وأخواتها، إذ كان والدها في صراعات دائمة مع والدتها بسبب إنجاب البنات، فقرر الزواج عليها، لتصبح لدى بهيجة عشرة أخوات بعد إنجاب الزوجة الثانية لأربع بنات إضافيات. ورغم ذلك، حرصت والدة بهيجة على تربية البنات بكل حنان، وكانت بهيجة المساند الأول لها في تربية الإخوة.
ومع مرور الوقت، قررت الأسرة الانتقال إلى القاهرة بحثًا عن حياة أفضل، فباعوا منزلهم في القرية وانتقلوا إلى غرفة على سطح أحد المنازل. عملت بهيجة كدلالة في بيع الملابس القديمة، لتساعد في مصاريف البيت، لكنها فقدت والدتها بعد مرض طويل بالسل، لتصبح مسؤولة عن أخواتها العشر.
كانت لأختها الصغرى جمال استثنائي، ما جذب أنظار الكثيرين، ومن بينهم شاب من البلطجية حاول التحرش بها. لم تخبر الشقيقة الأكبر، بهيجة، خوفًا من أن يُستغل الموقف. وفي نفس الفترة، كان الأخت على علاقة بشاب آخر، واتفقت مع بهيجة على الزواج، لتسير الأمور وفق إرادة العائلة.
لكن البلطجي الذي كان يلاحق أختها الجميلة لم يرض بالخسارة، وطلب الزواج منها بنفسه، فرفضت بهيجة، ما دفعه للتهديد بقتلها إن لم تُوافق على زواجه. بل قدم مهرًا قيمته 1000 جنيه، مبلغ كبير في ذلك الوقت، كحيلة لإغرائهم، لكنها صرخت وطردته من المنزل.
بعد أيام، انخرطت بهيجة في عالم السينما، حيث حصلت على دور كومبارس في فيلم «ليلة الدخلة» كـ «توتو بنت المعلم الخرطوشي». وفي أحد الأيام، وأثناء عودتها من العمل، اعترضها البلطجي، فبصقت في وجهه، فصفعها على وجهها لتسقط على الأرض، فأمسكت بهوه الطوبة وضربته على رأسه، ما أدى إلى نزيفه، وأثار ضحك المارة، لكنه هدد بالانتقام.
مع تصاعد الخطر، تواصل خطيب شقيقة بهيجة معها، واتفقا على الإسراع في الزواج، لكنه طلب مبلغ 100 جنيه. تبحث بهيجة عن وسيلة لتوفير المبلغ، فوجدت نفسها أمام فرصة عمل في فيلم «يا حلاوة الحب»، وهناك قابلها الفنان سليمان نجيب، الذي ساعدها ماليًا، وأكد أنه سيحميها من البلطجي.
لكن في لحظة مأساوية، اعترض البلطجي طريقها مرة أخرى، هددها بالقتل، وضربها بخشبة مسامير على رأسها، لتقع قتيلة على الفور، بينما كانت ممسكة بمهر أختها، الذي أصبح سببًا في استشهادها. هرب البلطجي بعد الجريمة، فيما تكفل خطيب الأخت بإنهاء الزواج بنجاح.
لم تنته القصة عند هذا الحد؛ فالبلطجي هرب إلى الصعيد، وهناك اغتصب فتاة، فجمع أقاربها حوالي 20 شخصًا، نصبوا له كمينًا مع أربعة من عصابته، فقتلوا أفراد العصابة، وأصيب البلطجي برصاصة في قدمه، ثم أُشعلت النار فيه حتى فُحمت جثته بالكامل، لتأخذ العدالة شكلها المؤجل، ويُنصف الضحية المظلومة.
أما أثر بهيجة فاستمر، فقد أنجبت شقيقتها أربع بنات، وأسمت الكبرى باسم بهيجة تكريمًا لها. كبرت الطفلة بهيجة لاحقًا، وحققت إنجازات كبيرة في مجال الطب، حيث تخصصت في النساء والتوليد، وأصبحت الأولى على دفعتها، وسافرت في بعثة علمية إلى ألمانيا، وتزوجت من طبيب ألماني أسلم، وأنجبا أربعة أبناء. عادت الطفلة بعد سنوات إلى القاهرة، وأسست مسجدًا باسم خالتها الراحلة بهيجة رشدي، محافظًة على إرثها وتاريخها الإنساني والفني.
قصة بهيجة رشدي تظل شاهدة على شجاعة امرأة دافعت عن شرف عائلتها، وضحت بحياتها، وخلّفت إرثًا من العدل والوفاء، يذكرنا دائمًا بأن ثمن الكرامة في بعض الأحيان أغلى من كل شيء، لكنها تثمر في النهاية، بالعدالة والذكر الطيب.
