القاهرة مباشر

ذكريات طفولة مؤلمة: صراع سامية جمال مع العنف والحرمان

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
ذكريات طفولة مؤلمة: صراع سامية جمال مع العنف والحرمان

في صفحات موجعة من مذكراتها، تفتح الفنانة سامية جمال نافذة على طفولة قاسية، تشكّلت ملامحها الأولى بين الفقد والعنف والحرمان، لتكشف أن طريق النجومية لم يبدأ تحت أضواء المسرح، بل في ظلال الألم المبكر.

تستعيد سامية جمال لحظة رحيل والدتها بوصفها الجرح الأول الذي لم يلتئم، مؤكدة أن اسمها كان آخر ما نطقت به الأم وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة. لحظة لم تكن وداعًا فحسب، بل نبوءة بمصير قاسٍ كانت الأم تستشعره، وهي تتشبث بابنتها على فراش المرض، كأنها تودعها للحياة لا للموت فقط.

لم يمض وقت طويل حتى بدأت فصول المعاناة الحقيقية. فبعد دفن الأم، عادت زوجة الأب المطلقة إلى عصمته، لتتحول حياة الطفلة إلى سلسلة من القسوة اليومية. تصف سامية تلك الصفعة التي تلقتها على وجهها وهي تبكي أمها بأنها “أول سطر أسود” في كتاب حياتها، سطر قرأت منه بقية الفصول المؤلمة.

أصبحت زوجة الأب سيدة البيت المتسلطة، تجمع في شخصيتها الحدة والتعقيد وسوء المزاج، وتفرغ غضبها في جسد الطفلة الصغيرة. لم تكن الضربات عقابًا على خطأ، بل طقسًا يوميًا بلا سبب، وكأن العذاب صار قانونًا لا يحتاج إلى مبرر. وفي لحظات الألم، كانت سامية ترفع عينيها إلى السماء، باحثة عن عزاء غيبي، ومؤمنة أن الخلاص لن يأتي من البشر.

وسط هذا القهر، حُرمت سامية من أبسط حقوق الطفولة: التعليم. كان إخوتها يذهبون إلى المدرسة كل صباح، بينما كُتب عليها أن تبقى خادمة في بيت أبيها، تعمل منذ شروق الشمس حتى مغيبها. كانت تراقب الأطفال وهم يحملون كتبهم في حسرة صامتة، تشتهي ما يبدو للآخرين أمرًا بديهيًا.

ذات يوم تجرأت وأعلنت رغبتها في الذهاب إلى المدرسة، فجاء الرد قاسيًا وساخرًا، أعقبه ضرب جديد. لم يكن الحلم بالتعلم جريمة في نظرها، لكنه كان كذلك في نظر زوجة الأب. ومع ذلك، لم تمت الرغبة. كانت تتسلل أحيانًا إلى كتب إخوتها، تختطف كتابًا وتختبئ بعيدًا، تقلب صفحاته في شغف، تحاول فك رموز الحروف، وتتحسر لأنها لا تستطيع القراءة.

كانت تُضبط متلبسة بهذا “الذنب” مرارًا، وكان العقاب يتضاعف. التعليم، في ذلك البيت، كان محرمًا عليها، ومحاولة المعرفة تُعد خروجًا على الطاعة. هكذا تشكل وعيها الأول بأن الجهل يُفرض أحيانًا بالقوة، وأن الطموح قد يُعاقب عليه.

وسط هذا العالم القاسي، وجدت سامية صديقًا وحيدًا وغريبًا: فأر صغير يسكن جحرًا قريبًا من فراشها. رأت فيه شريكًا في المصير، كائنًا مطاردًا مثلها، يتلقى الضربات ذاتها، ويحاول النجاة في بيت لا يرحم. كانت تشعر بالراحة حين يعبث بطعامهم وثيابهم، كأنه ينتقم لها بطريقته الصامتة.

صار الفأر رمزًا للعزلة المشتركة، لا تخشاه ولا يخشاها، يمر مطمئنًا، كأن بينهما عهدًا غير مكتوب. وفي لحظات السكون، كانت تفتح النافذة وتنظر إلى السماء، تشعر أنها والفأر يعيشان تحت سقف واحد من العذاب والحرمان.

تلك الطفولة، كما ترويها سامية جمال، لم تكن مجرد ذكرى أليمة، بل الأساس الذي صاغ شخصيتها، وفسر لاحقًا صلابتها وقدرتها على الصمود. فمن رحم المعاناة، وُلدت إرادة تحدت القهر، وخرجت من بيت الألم إلى عالم الفن، حاملة في داخلها جراحًا لم تُنسَ، لكنها تحولت إلى وقود للحياة.