القاهرة مباشر

حكاية أنور منسي: الطفل الذي بدأ بالعقاب على القانون وانتهى أسطورة للكمان في مصر

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
حكاية أنور منسي: الطفل الذي بدأ بالعقاب على القانون وانتهى أسطورة للكمان في مصر
لم يكن اسم أنور منسي مجرد توقيع عابر في دفاتر الموسيقى المصرية، بل كان نغمة خاصة، شديدة الحضور، تتردد في حكايات كبار الفنانين كما لو كانت قدرًا لا يمكن تجاوزه. عازف كمان استثنائي، بدأ طفلاً يلهو بالأوتار، وانتهى أسطورة موسيقية، عاش حياته بين عبقرية الفن وتقلبات القلب.   وُلد أنور منسي في 19 ديسمبر عام 1922، لأسرة موسيقية خالصة، فوالده عبد الوهاب منسي كان يُعد من أعظم عازفي القانون في عصره. وفي بيت تتردد فيه الأنغام ليل نهار، لم يكن غريبًا أن تتفتح أذن الطفل على الموسيقى قبل أن يتقن القراءة والكتابة. التحق أنور بمدرسة البارودي الابتدائية، لكن شغفه الحقيقي لم يكن في الكراسات، بل في تلك الآلة التي كان يراها بين يدي والده.   كان يستغل غياب الأب عن المنزل، ويجلس أمام القانون، يمرر أصابعه الصغيرة على الأوتار، فتخرج نغمات نشاز، لكنها كانت بالنسبة له موسيقى خالصة، تعادل فرحة طفل بثياب العيد. ذات يوم ضبطته أمه متلبسًا بالعزف، فنزلت على صدغه بقلمٍ جعله يبكي لساعات. وعندما عاد الأب وسأله عن سبب بكائه، لاذ أنور بالصمت، بينما تولت الأم الشكوى من انشغاله بالعزف وإهماله للدراسة.   لكن عبد الوهاب منسي لم يرَ في ما حدث لعبًا، بل موهبة تتشكل. طلب من ابنه أن يمسك القانون ويعزف، فانطلقت الأصابع بلا نظام، ومع ذلك احتضنه الأب، ومنذ تلك اللحظة بدأ تدريب أنور على أصول الموسيقى. وبعد أشهر قليلة، وعندما بلغ الثامنة، اصطحبه والده إلى صديقه إبراهيم شفيق، صاحب معهد موسيقي، وألحقه بقسم الكمان. صار أنور تلميذًا صباحًا في المدرسة، وطالب موسيقى بعد الظهيرة، وخلال ثلاث سنوات فقط أصبح متمكنًا من العزف على الكمان.   عام 1934، شارك معهد شفيق في حفل موسيقي كبير بالأوبرا، وكان أنور منسي، ابن الثانية عشرة، عازف الكمان الوحيد الذي اختير للمشاركة. انفتحت الستارة عن طفل نحيل يعزف قطعة لشوبان بحماس واحتراف أدهش الحضور. لم يصدق أحد أن تلك النغمات العميقة تخرج من طفل، فتعالت التصفيقات، وفي الكواليس أُبلغ أنور بأن أحد الأمراء يطلب مقابلته. سأله الأمير: «أأنت فلاح؟» فأجاب: «نعم»، فقال الأمير عبارته الشهيرة: «إن القدر له تصرفات غريبة، يصنع من ابن فلاح موسيقيًا نابغة».   تزامن ذلك مع استعداد بديعة مصابني لإعادة افتتاح فرقتها بأسلوب جديد، يتضمن فرقة موسيقية قوية. وعندما سمعت بنبوغ أنور، ضمته بمرتب 12 جنيهًا شهريًا، تضاعف خلال عام واحد ثلاث مرات، حتى صار صاحب أعلى أجر في الفرقة. تسبب ذلك في أزمة، إذ هدد باقي العازفين بالانسحاب، لكن بديعة حسمت الأمر بقولها الشهير: «أقدر أعمل فرقة من أضعف العازفين ومعهم أنور، وتبقى أعظم فرقة موسيقية».   في عام 1940، انضم أنور منسي إلى فرقة أم كلثوم، وكان هذا التحول الأهم في مسيرته. وقتها كان رياض السنباطي يعتمد على القانون المنفرد، لكن وجود أنور دفعه إلى إعادة التفكير، فبدأ يمنح الكمان جملًا موسيقية منفردة صُممت خصيصًا لعبقريته. في العام نفسه، جاءت فرقة إيطالية للأوبرا، وتأخر عازف الكمان الأساسي، فاختبروا عشرات العازفين دون اقتناع، إلى أن رشح سليمان نجيب اسم أنور منسي. عزف فأبهر الجميع، وعُرض عليه السفر إلى إيطاليا، لكنه رفض.   تكرر الأمر مع فرقة فرنسية في العام التالي، ليصبح أنور منسي عازفًا دوليًا ينافس كبار العازفين في العالم. وعلى الصعيد الإنساني، لم يعرف قلبه حبًا سوى صباح، التي أنجب منها ابنته هويدا. لكن الخلافات أدت إلى الطلاق، وكان جرحه الأعمق. قال يومًا: «ظننت أن الطلاق سينسيها متاعبنا، لكنني اكتشفت أنني أخطأت». وذكرت مجلة الكواكب أنه بكى بحرقة يوم زواجها من أحمد فراج، باكيًا حبًا ضائعًا وأملًا لم يكتمل.   قبل وفاته بيوم واحد، ارتدى أنور كرافتة حذره منها صديق بدعوى شؤمها، فضحك مستهينًا. في ذلك اليوم خسر رهاناته في سباقات الخيل، فقال له صديقه: «ألم أقل لك؟»، فأجاب: «نخسر اليوم ولا نعرف ماذا يحدث غدًا». وفي الغد، رحل أنور منسي، وانقطع آخر وتر كان يربطه بالحياة، تاركًا خلفه موسيقى لا تزال تنبض، وحكاية عبقري عاش كما عزف: بصدق، وبكثير من الشجن.