القاهرة مباشر

حكاية الأتوبيس الضائع: كيف حبس الجمرك الفنان محمد توفيق 3 ساعات في الظلام

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
حكاية الأتوبيس الضائع: كيف حبس الجمرك الفنان محمد توفيق 3 ساعات في الظلام

في عام 1942، خاض الفنان محمد توفيق تجربة فنية مليئة بالمواقف الطريفة والمثيرة للدهشة، أثناء رحلة مع زملائه في الفن، أنيس حامد ومحمود السباعي، وبقية أفراد الفرقة، إلى العراق، رحلة استغرقت نحو 48 ساعة عبر الأتوبيس الكبير الذي حملهم في رحلتهم الفنية. كانت الرحلة تهدف إلى تقديم عروض فنية في بغداد، وكانت مليئة بالتوقعات والحماس، إلا أن حادثة غير متوقعة جعلت تلك الرحلة لا تُنسى بالنسبة لمحمد توفيق.

عند توقف الأتوبيس في منطقة الرطبة على الحدود، قرر الفريق أخذ استراحة قصيرة في ثكنات الجمرك، وهي فرصة سانحة لاستعادة النشاط بعد ساعات طويلة من السفر المتواصل. واستغل محمد توفيق تلك اللحظة لإزالة الغبار عن وجهه، فنزل بالروب والبيجاما إلى دورة المياه الواقعة في بدروم المبنى، وأغلق الباب خلفه، غير مدرك لطبيعة قفل الباب من الخارج.

حين انتهى من استخدام الحمام وحاول الخروج، فوجئ بأن الباب لم يفتح، فطرق الباب وصرخ، لكن دون جدوى. حاول مرارًا ونسيًا أن ينادي على من حوله، إلا أن الثكنة كانت صامتة، ولم يسمعه أحد. وهكذا ظل الفنان في محنته، عالقًا داخل الحمام من الساعة الثانية عشرة مساءً وحتى الثالثة صباح اليوم التالي، حين جاء أحد رجال الجمرك وأفرج عنه.

وعندما خرج، اكتشف أن الأتوبيس قد انطلق بهم إلى وجهتهم دون أن ينتظر عودته. شعور بالجنون سيطر عليه، لكنه سرعان ما فهم سبب الموقف، فهو معتاد على الدفن بين الأغطية والنوم في مؤخرة الأتوبيس، وربما ظن زملاؤه أنه لا يزال نائمًا مختبئًا، فتركوه خلفهم عن غير قصد.

وجد محمد توفيق نفسه وحيدًا في مبنى الجمرك، واضطر للانتظار حتى يتم الاتصال به. كان الأستاذ أنيس قد اتصل ليطمئنه وأبلغه أن الفرقة قد وصلت إلى فندق سميراميس في بغداد، وأرسلوا سيارة لتقله إلى الفندق. وعندما وصل، كان الموقف أكثر طرافة، إذ استقبله الجرسون في بهو الفندق الضخم، حيث رأى رجلاً يدخل بالبيجاما والروب دون أي حقائب، فانطلقوا يضحكون بحرارة على هذا المشهد الغريب.

لم يكن أمام محمد توفيق سوى الجري عبر السلم، وعلى أثره طار المترودوتيل خلفه، حتى تمكن من إبلاغ الجرسون وطاقم الفندق بحقيقة ما حدث. وبعد لحظات من الفوضى والضحك، قادوه إلى الغرفة التي تم تحضيرها له، حيث تمكن أخيرًا من الاستراحة، بعد تجربة مليئة بالتحدي والمفارقات.

تلك الليلة، كما يصفها الفنان، كانت "ليلاء ذات أرق إجباري"، لم يخطر له من قبل أن يواجه مثل هذا الموقف في حياته المهنية. كانت تجربة مليئة بالضحك، لكنها أيضًا دروس في الصبر والمثابرة، وأظهرت الجانب الإنساني للمواقف الطارئة التي قد تمر على الفنانين أثناء جولاتهم الفنية.

تلك الحادثة لم تكن مجرد موقف طريف، بل كانت انعكاسًا لحياة الفنانين في تلك الحقبة، حيث كانت الرحلات شاقة، والتنقلات طويلة، والخدمات محدودة، ومع ذلك، كان الفنانون يواجهون كل ذلك بحس الفكاهة وروح المغامرة، محافظين على شغفهم بالفن رغم الصعاب.

محمد توفيق استعاد هذا الموقف لاحقًا في لقاءاته وحواراته، ليؤكد أن الفن ليس مجرد عروض ومسرحيات، بل هو أيضًا تجربة حياتية مليئة بالمواقف الإنسانية، التي تصنع الذكريات وتضيف أبعادًا للقصص الشخصية لكل فنان، وتجعلها جزءًا من تراثه الفني الذي يقدمه لجمهوره.

وبهذا، تبقى رحلة الأتوبيس الكبير إلى العراق واحدة من أكثر التجارب الطريفة التي عاشها الفنان محمد توفيق، والتي تثبت أن وراء كل فنان قصة إنسانية تستحق أن تروى، ليس فقط بسبب موهبته في الفن، بل أيضًا بسبب مواقفه الطريفة والإنسانية خارج المسرح والشاشة.