القاهرة مباشر

حكاية زكي رستم: الفنان الذي رفض الزواج وعاش حياته كلها للفن

الخميس 1 يناير 1970 02:00 صـ 14 ذو القعدة 1447 هـ
حكاية زكي رستم: الفنان الذي رفض الزواج وعاش حياته كلها للفن

وُلد زكي رستم في 15 نوفمبر 1895 في أسرة غنية من ذوات القربى، فقد كان حفيد محمود باشا رستم، أحد كبار رجال الجيش المصري، وابن محرم بيه، أحد قيادات الحزب الوطني وصديق الزعيم مصطفى كامل. نشأ في بيئة مترفة، محاطًا بالفن والموسيقى، فقد ورث حب الفن عن والده، وعلاقاته بأبرز الفنانين والموسيقيين. إلى جانب الفن، أظهر زكي مهارات رياضية، حيث حاز على المركز الثاني في بطولة مصر لرفع الأثقال.

البدايات والتأثير الأسري

نشأ زكي رستم تحت إشراف سليمان نجيب، الذي أصبح قدوته ومثله الأعلى، بينما لعبت أسرته دورًا محوريًا في تشكيل شخصيته. رفضت والدته دخوله مجال الفن، مفضلة عليه دراسة الحقوق والزواج المبكر، فقرر ترك البيت والعيش في عمارة يعقوبيان بالقاهرة، مكرسًا حياته للفن بعيدًا عن القيود الأسرية، خاصة بعد مرض والدته وشللها.

مشواره الفني

رشحه المخرج محمد كريم لدور في فيلم «زينب»، ليبدأ رحلة فنية ثرية بالأدوار المميزة التي أكسبته شهرة واسعة. وصفته مجلة «لايف» الأمريكية بأنه أحد أعظم ممثلي الشرق، بينما اختارته مجلة «باريس ماتش» الفرنسية ضمن أفضل عشرة ممثلين عالميًا. كان زكي من مدرسة الاندماج التام في التمثيل؛ بمجرد دخوله في الشخصية، ينسى نفسه تمامًا، حتى أن بعض المواقف على خشبة المسرح أو أثناء التصوير تحولت إلى أحداث لا تُنسى، مثل المشاهد مع فاتن حمامة وصباح، حيث اندماجه الشديد خلق لحظات من الواقعية المدهشة.

الحب والخسارة

رغم شهرته وجاذبيته، كانت علاقاته العاطفية قليلة ومأساوية. حب مرة واحدة انتهى بمأساة، حيث رفضت عائلة الفتاة زواجهما، وانتحرت الفتاة، مما ترك أثرًا نفسيًا عميقًا في قلبه. حب آخر فشل بسبب الفوارق الاجتماعية، وبحسب حديثه لمجلة الكواكب في 3 ديسمبر 1957، كان ندمه على عدم زواجه منها شديدًا.

كما ذكرت المذيعة ليلى رستم، أن شخصية زكي كانت صعبة، حادة، تميل إلى التحكم في مجريات حياته، وهو ما جعل من الصعب عليه إيجاد شريكة حياة تتوافق مع طبعه الفني والشخصي.

تحديات الصحة والاعتزال

تعرض زكي لمشكلة فقدان السمع تدريجيًا، بدءًا من فيلم «الحرام»، حيث كان يعتمد على قراءة الشفاه لمعرفة دور الحديث، حتى تفاقم الأمر في فيلم «إجازة صيف». ومع صعوبة التواصل الفني، قرر الاعتزال عام 1966، مكرسًا حياته للهدوء والانطوائية، يعيش يومه في تمشيات صباحية مع كلبه، وقراءة ولعب البلياردو، بعيدًا عن أضواء الفن والزحام.

العزلة والوفاة

بعد الاعتزال، عاش زكي حياة انطوائية لمدة ست سنوات، حتى وفاته في 15 فبراير 1972 بأزمة قلبية حادة. شيع جثمانه أربعة أشخاص فقط، من بينهم الخادم الوفي الذي ظل يلازمه طوال حياته، رمزًا للوفاء والصداقة البسيطة في حياة هذا الفنان الكبير.

زكي رستم لم يتزوج لأنه عاش مأساة الحب والفن والالتزام بأسلوب حياة صارم وصعب، إذ شكلت مواقفه الشخصية والعاطفية، وحساسيته تجاه الفن والانضباط، حاجزًا بينه وبين الزواج. ترك خلفه إرثًا فنيًا خالدًا، وأسطورة شخصية فريدة، ليظل مثالًا للفنان الذي ضحى بحياته الخاصة من أجل الفن، وعاش في انسجام كامل مع إبداعه حتى آخر لحظة.