القاهرة مباشر

العالم على أعتاب «ذروة انقراض الأنهار الجليدية»… اختفاء 100 ألف نهر جليدي خلال عقود

السبت 20 ديسمبر 2025 10:49 صـ 29 جمادى آخر 1447 هـ
العالم على أعتاب «ذروة انقراض الأنهار الجليدية»… اختفاء 100 ألف نهر جليدي خلال عقود

يدخل كوكب الأرض مرحلة حرجة من الانهيار المناخي، مع تحذيرات علمية غير مسبوقة من اختفاء نحو 100 ألف نهر جليدي خلال العقود المقبلة، في رقم صادم لم يعد من الممكن تجاهله. ولا يستند هذا التحذير إلى تقديرات مبالغ فيها، بل إلى دراسة علمية حديثة اعتمدت على بيانات الأقمار الصناعية ونماذج مناخية عالمية، شملت تحليل أكثر من 200 ألف نهر جليدي حول العالم.

الدراسة، التي قادها الباحث لاند فان تريشت من المدرسة الفيدرالية التقنية في زيورخ ضمن فريق بحثي دولي، كشفت عن مفهوم صادم أطلق عليه العلماء اسم «ذروة انقراض الأنهار الجليدية»، وهي المرحلة التي يبلغ فيها عدد الأنهار الجليدية المفقودة سنويًا أعلى مستوياته في التاريخ الحديث. ووفق النتائج، فإن هذه الذروة باتت قريبة، وقد تصبح مدمرة بحلول منتصف القرن الحالي، مع اختفاء ما بين 2000 و4000 نهر جليدي سنويًا، تبعًا لمسار الاحترار العالمي.

ولا يعد الباحثون ما يحدث ظاهرة طبيعية دورية، بل نتيجة مباشرة للخيارات البشرية الحالية، لا سيما في مجالات الطاقة والوقود الأحفوري والنقل والصناعة. وتشير الدراسة إلى أن التفكير قصير المدى، وهيمنة المصالح الاقتصادية الكبرى، وتأجيل الإجراءات الجادة تحت مسميات مثل «التحول المنظم»، كلها عوامل تُسرّع هذا الانهيار الجليدي العالمي.

وبحسب السيناريوهات العلمية، ففي حال نجح العالم في حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، فإن ذروة اختفاء الأنهار الجليدية ستقع قرابة عام 2041، مع فقدان نحو 2000 نهر جليدي سنويًا. وحتى في هذا السيناريو المتفائل نسبيًا، يؤكد الباحثون أن الانقراض الجماعي للأنهار الجليدية بات حتميًا، وأن الفارق الوحيد يتمثل في عدد الأنهار التي يمكن إنقاذها، لا في منع الخسارة بالكامل.

أما إذا استمر العالم على مساره الحالي، الذي يشير إلى ارتفاع درجات الحرارة بنحو 2.7 درجة مئوية، فإن الصورة تصبح أكثر قتامة. فبحلول عام 2100، سيبقى أقل من نصف الأنهار الجليدية التي يمكن أن تنجو مقارنة بسيناريو 1.5 درجة. وفي حال وصول الاحترار إلى 4 درجات مئوية، تتوقع الدراسة سيناريو كارثيًا مع اختفاء ما يصل إلى 4000 نهر جليدي سنويًا بدءًا من منتصف خمسينيات القرن الحالي، واستمرار التراجع لعقود طويلة.

وتشدد الدراسة على أن الفارق بين 1.5 و2.7 درجة مئوية ليس مسألة علمية أو تقنية، بل قرار سياسي بامتياز، يعتمد على الخيارات الحالية المتعلقة باستخدام الوقود الأحفوري وأنماط الاستهلاك والسياسات الزراعية والصناعية. وتحذر من أن كل عُشر درجة إضافية يعني خسائر ملموسة في الجليد والمياه العذبة، واتساع رقعة المناطق المعرضة للخطر.

ولن تتوزع الخسائر بالتساوي، إذ ستكون الأنهار الجليدية الصغيرة والمتوسطة أول الضحايا. وتشير التقديرات إلى أن جبال الألب الأوروبية والجبال الأنديزية شبه الاستوائية قد تفقد ما يصل إلى 50% من أنهارها الجليدية خلال عقدين فقط، أي قبل عام 2045.

أما في المناطق ذات الكتل الجليدية الكبرى، مثل غرينلاند وحواف القارة القطبية الجنوبية، فقد تتأخر ذروة الذوبان، لكنها ستكون أشد أثرًا، إذ يؤدي ذوبان الجليد إلى تسريع ارتفاع مستوى سطح البحر، واضطراب التيارات البحرية، وزيادة وتيرة الظواهر المناخية المتطرفة، ما يجعل فقدان الأنهار الجليدية عاملًا رئيسيًا في أزمة مناخية عالمية شاملة.

ولا تقتصر الخسائر على الأبعاد البيئية، إذ تحذر الدراسة من أضرار ثقافية وإنسانية لا تُقاس بالأرقام، فمجتمعات كاملة تعتمد على ذوبان الثلوج الموسمي لتأمين المياه. ومع تراجع الجليد، ستتأثر حياة المزارعين والسكان الأصليين والمدن الواقعة أسفل الأنهار الجليدية، في عملية تصفها الدراسة بأنها ليست «تكيفًا»، بل تجريد تدريجي من الموارد وأسس الحياة.

وفي خلاصة قاتمة، يرى الباحثون أن عدد الأنهار الجليدية التي تختفي سنويًا لم يعد مجرد مؤشر علمي، بل مقياس مباشر لفشل المجتمع الدولي في كبح الاحترار العالمي، ففي الوقت الذي تستمر فيه النقاشات حول الاستثناءات وتخفيف الالتزامات وحماية الصناعات الملوثة، يواصل الجليد ذوبانه بصمت وبلا هوادة.