×

حكاية عامل دليفري اقتحم نيران مدينتي لإنقاذ سيدتين

الخميس 29 أكتوبر 2026 08:56 مـ 17 جمادى أول 1448 هـ
عبد الله الشاب الذى أنقذ سيدتين بمدينتي
عبد الله الشاب الذى أنقذ سيدتين بمدينتي

لم يكن يتخيل أن طلب توصيل عادي سيجعله بطلًا في واقعة إنسانية تتجاوز حدود الشجاعة، أو أن طريقه إلى وجهته سيتحول إلى رحلة محفوفة بالمخاطر داخل مبنى تلتهمه النيران. دقائق قليلة كانت كافية لتغيير مسار يوم عبد الله مروان، عامل الدليفري الذي لم يتردد في تعريض حياته للخطر، بعدما لمح سيدة محاصرة بالدخان تستغيث طلبًا للنجدة، ليقرر خوض مغامرة غير محسوبة العواقب، انتهت بإنقاذ سيدتين من الموت اختناقًا داخل حريق مدينتي.

صرخات الاستغاثة أوقفت رحلة الدليفري

روى عبد الله مروان، بطل واقعة إنقاذ السيدتين في مدينتي، تفاصيل اللحظات الأولى للحادث، مؤكدًا أنه كان يستقل دراجته النارية متجهًا لتوصيل أحد الطلبات، في مهمة عمل روتينية، وقبل وصوله إلى وجهته بنحو 300 متر، استوقفه مشهد تصاعد دخان أسود كثيف من أحد المباني السكنية، مصحوبًا برائحة حريق واضحة.

وخلال مداخلة هاتفية بأحد البرامج التلفزيونية ، أوضح عبد الله أنه فوجئ بوجود سيدة محاصرة وسط الدخان على شرفة المبنى، وكانت ترتدي ملابس سوداء، وتصرخ بصوت أنهكه الخوف والألم: «أنقذوني.. أنقذوني».

لم يحتج الشاب إلى التفكير طويلًا، ولم يسمح لنفسه بالتردد أمام مشهد إنساني بهذه القسوة، فركن دراجته النارية سريعًا، واندفع محاولًا الوصول إلى السيدة وإنقاذها من النيران التي تحاصرها.

الدخان الأسود أغلق الطريق.. فكانت المغامرة فوق الأسطح

حاول عبد الله الصعود عبر سلالم المبنى المشتعل، إلا أن كثافة الدخان الأسود حالت دون تقدمه، بعدما حجبت الرؤية بصورة شبه كاملة، وأصبح الوصول إلى السيدة عبر الطريق المعتاد شديد الصعوبة.

وأمام ضيق الوقت وخطورة الموقف، قرر البحث عن طريق بديل، فصعد إلى سطح المبنى المجاور، ثم تحرك عبر السطح في محاولة للوصول إلى المبنى الذي اندلع فيه الحريق، واضعًا نفسه في مواجهة خطر حقيقي، بينما كانت حياة السيدة معلقة بلحظات قد تصنع الفارق بين النجاة والموت.

وأشار إلى أن أحد رجال الشرطة الموجودين في موقع الحادث حاول منعه من مواصلة المغامرة، حرصًا على سلامته، وأخبره بأن قوات الدعم في طريقها إلى المكان، لكن عبد الله كان يرى أن الانتظار قد يعني ضياع فرصة إنقاذ السيدة.

واستغل لحظة انشغال الضابط، وتحرك سريعًا في اتجاه الشرفة المشتعلة، مستحضرًا فكرة واحدة دفعته إلى مواصلة المحاولة، قائلًا لنفسه: «هناك روح تحترق بالأسفل، لا يوجد وقت للنقاش».

خلع التيشيرت وبلل الملابس لمواجهة الاختناق

عندما وصل عبد الله إلى الشرفة، وجد السيدة في حالة شديدة الخطورة، بعدما أوشكت على فقدان الوعي، وبدأت أنفاسها تتلاشى وسط الدخان الكثيف الذي يملأ المكان.

حاول التعامل مع الموقف بما توفر أمامه من إمكانات، فأغلق النوافذ الزجاجية لمنع تدفق المزيد من الدخان القادم من داخل الشقة، ثم خلع التيشيرت الذي يرتديه، وبدأ يلوح به بقوة في محاولة لتهوية المكان ومساعدتها على التقاط أنفاسها.

ولم تتوقف محاولاته عند ذلك، إذ استعان برجال الشرطة الموجودين أعلى السطح، حيث قام أحد الضباط بسكب الماء عليهما، ما أتاح لهما تبليل الملابس واستخدامها لتغطية الوجه وتقليل التعرض للدخان.

وبعد هذه المحاولات، أمسك عبد الله بيد السيدة، واقتحم الشقة المشتعلة، ثم بدأ في نقلها عبر السلم الحديدي الموصل إلى السطح، حتى تمكن من إخراجها إلى الهواء الطلق وتأمين سلامتها بعيدًا عن النيران والدخان.

كانت تلك اللحظات كفيلة باستنزاف طاقته البدنية، بعدما خاض مواجهة مباشرة مع الحريق، لكنه لم يعتبر إنقاذ السيدة الأولى نهاية مهمته، ولم يسمح للإجهاد بأن يصرفه عن احتمال وجود أشخاص آخرين محاصرين داخل المبنى.

لم يغادر المكان.. وعاد إلى قلب الحريق لإنقاذ سيدة ثانية

رغم نجاحه في إخراج السيدة الأولى، قرر عبد الله العودة مجددًا إلى داخل المبنى، بهدف تفقد الشقق والتأكد من عدم وجود سكان آخرين يحتاجون إلى المساعدة.

وبينما كان يتحرك وسط النيران، ويطرق أبواب الشقق واحدة تلو الأخرى، سمع صوت استغاثة خافتًا صادرًا من إحدى الشقق الواقعة أسفل الشقة الأولى مباشرة.

كانت هناك سيدة أخرى تنتظر من يصل إليها، في وقت لم تكن فيه ظروف الحريق تسمح بالتأخر أو التردد. وعلى الفور، تعاون عبد الله مع شابين آخرين انضما إليه في محاولة الإنقاذ، وتمكنوا من كسر باب الشقة والوصول إلى السيدة المحاصرة.

وبعد إخراجها، نقلها الثلاثة إلى السطح نفسه، حيث أمكن إبعادها عن مصدر الخطر وتأمين سلامتها، لتكتمل بذلك عملية إنقاذ السيدتين اللتين واجهتا خطر الموت داخل المبنى المشتعل.

ولم يكتفِ عبد الله بإنقاذ السيدتين، بل واصل تفقد بقية أدوار المبنى، وطرق الأبواب للتأكد من عدم وجود أشخاص آخرين عالقين في الداخل، حتى اطمأن إلى خلو المكان من أي محتجزين يحتاجون إلى الإنقاذ.

غادر في هدوء.. ولم ينتظر إشادة أو تكريمًا

وعقب انتهاء عمليات الإنقاذ وتأمين الموجودين، تنفس عبد الله الصعداء، وغادر موقع الحادث بهدوء، دون أن ينتظر إشادة من أحد أو تكريمًا على ما قام به.

وأكد أن تصرفه لم يكن بحثًا عن الشهرة أو رغبة في الحصول على مقابل، وإنما كان واجبًا إنسانيًا دفعه إلى التحرك عندما شاهد سيدة تستغيث، ثم واصل محاولاته بعدما اكتشف وجود سيدة أخرى محاصرة داخل المبنى.

وتبقى واقعة إنقاذ السيدتين في مدينتي شهادة على أن لحظات الخطر قد تكشف عن مواقف استثنائية، وأن قرارًا سريعًا يتخذه شخص عادي قد يصنع فارقًا حاسمًا في حياة آخرين.

فبينما كان عبد الله مروان في طريقه لتوصيل طلب، وجد نفسه أمام اختبار لم يكن مستعدًا له، لكنه اختار ألا يمر مرور العابرين، وترك دراجته جانبًا، وخاطر بحياته، وعاد إلى قلب النيران أكثر من مرة، حتى انتهت رحلته بإنقاذ سيدتين كانتا في أمسّ الحاجة إلى يد تمتد إليهما.