×

من إيران إلى قلب أفريقيا.. تحقيق يكشف صفقات أمريكية لترحيل مهاجرين إلى دول ثالثة

الإثنين 21 سبتمبر 2026 01:50 مـ 8 ربيع آخر 1448 هـ
صفقات ترامب الغامضة لترحيل المهاجرين
صفقات ترامب الغامضة لترحيل المهاجرين

كشف تحقيق صحفي موسع عن سياسة أمريكية لترحيل مهاجرين وطالبي لجوء إلى دول ثالثة لا يحملون جنسيتها ولا تربط بعضهم بها أي صلات سابقة، ضمن ترتيبات أبرمتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع عدد من الحكومات.

وسلط التحقيق الضوء على قصة امرأة إيرانية تبلغ من العمر 32 عامًا، استخدمت الصحيفة اسمًا مستعارًا لها هو «نيكا»، قالت إنها وجدت نفسها بعد رحلة جوية وهي مقيدة اليدين في جمهورية أفريقيا الوسطى، رغم أنها لم تكن تعرف مسبقًا أنها ستُنقل إلى هناك.

وبحسب روايتها، لم يُبلغ عدد من المرحلين على متن الرحلة بوجهتهم قبل الإقلاع، قبل أن يكتشفوا من خلال شاشات الطائرة أن وجهتهم هي جمهورية أفريقيا الوسطى.

وقالت «نيكا» إن القيود سببت لها آلامًا في معصميها، فيما خضع بعض الركاب لإجراءات تقييد إضافية بعد اعتراضهم على الصعود إلى الطائرة، وفق ما أورده التحقيق.

وكانت المرأة الإيرانية قد غادرت بلادها قبل نحو 18 شهرًا بعد مشاركتها في احتجاجات، قبل أن تصل إلى الولايات المتحدة وتخضع للاحتجاز في أحد مراكز الهجرة.

ووفق التحقيق، حصلت لاحقًا على حماية قانونية وأُطلق سراحها بأمر قضائي، قبل أن تعيد وزارة الأمن الداخلي اعتقالها، ثم تُرحل بعد أيام إلى جمهورية أفريقيا الوسطى.

وقالت إنها لم تتلق إخطارًا مسبقًا بإرسالها إلى الدولة الأفريقية، مضيفة أنها لم تكن تملك معلومات كافية عنها قبل وصولها إليها.

وأشار التحقيق إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية كانت تحذر مواطنيها من السفر إلى جمهورية أفريقيا الوسطى بسبب الأوضاع الأمنية، في الوقت الذي تواجه فيه «نيكا» تساؤلات بشأن مصيرها وإمكانية إعادتها إلى إيران.

وضمت الرحلة، وفق التحقيق، مرحلين من جنسيات مختلفة، من بينها أفغانستان والعراق وقيرغيزستان، بينما لم تكن لمعظمهم روابط سابقة بأفريقيا.

وبحسب تقديرات منظمات حقوقية أوردها التحقيق، جرى ترحيل أكثر من 25 ألف شخص إلى دول ليست بلدانهم الأصلية، من بينهم نحو 20 ألفًا نُقلوا بالحافلات إلى المكسيك.

كما أشار التحقيق إلى نقل أكثر من 5 آلاف شخص على متن رحلات جوية إلى دول في أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي وآسيا الوسطى.

وجاء التحقيق ضمن مشروع صحفي مشترك شاركت فيه «ذا جارديان» مع 23 مؤسسة إعلامية أخرى، وتولت تنسيقه منظمة «قصص محظورة» التي تتخذ من باريس مقرًا لها.

وقال القائمون على التحقيق إنهم أجروا مقابلات مع أكثر من 100 شخص ممن تأثروا بسياسات الترحيل أو شاركوا في تنفيذها، إلى جانب مراجعة وثائق مرتبطة بالاتفاقيات التي أبرمها مسؤولون أمريكيون مع حكومات مختلفة.

كما تعقب التحقيق أكثر من 100 رحلة جوية نقلت مهاجرين وطالبي لجوء إلى 28 دولة.

ووصف محامون حقوقيون تحدثوا للتحقيق ترتيبات نقل المهاجرين إلى «دول ثالثة» بأنها جزء من سياسة تهدف إلى الحد من دخول المهاجرين وطالبي اللجوء إلى الأراضي الأمريكية.

وأورد التحقيق أمثلة على إرسال أشخاص من بيرو وكولومبيا إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جانب واقعة أخرى شهدت رفض أربعة كوبيين وبرازيلي وكاميروني النزول من طائرة في ليبيريا، قبل نقلهم إلى غينيا الاستوائية.

وبحسب تقديرات منظمة «هيومن رايتس فيرست» التي استند إليها التحقيق، ارتفع عدد رحلات الترحيل إلى دول ثالثة خلال أغسطس، مع تسجيل 16 رحلة إلى 13 دولة لا يحمل المرحلون جنسيتها.

وتناول التحقيق كذلك حكمًا صادرًا عن محكمة استئناف فيدرالية أمريكية اعتبر ترحيل مهاجرين إلى دول ثالثة دون منحهم وقتًا كافيًا للطعن في القرار مخالفًا لمتطلبات الإجراءات القانونية السليمة.

وقال محامون حقوقيون إن الحكم، من وجهة نظرهم، يستوجب وقف هذه الرحلات، بينما أشار التحقيق إلى توقعات بمواصلة الحكومة الدفاع عن سياستها أمام القضاء.

كما تناول التحقيق تصريحات رسمية أمريكية تصف بعض المرحلين بأنهم أصحاب سجلات جنائية، في حين أشار إلى وثائق تفيد بأن عددًا من الدول التي أبرمت اتفاقيات مع واشنطن اشترطت عدم استقبال أشخاص لديهم سوابق مرتبطة بجرائم عنف.

ومن بين الحالات التي استعرضها التحقيق امرأة تدعى رابياتو كوياتيه، تبلغ 58 عامًا، جرى إرسالها إلى غانا قبل اتخاذ إجراءات لإعادتها إلى سيراليون.

وقالت كوياتيه إنها أمضت معظم حياتها في الولايات المتحدة وعملت في مجال التمريض، من بينها رعاية مرضى خلال جائحة كورونا وأشخاص من ذوي الإعاقة.

كما نقل التحقيق عن محامين متخصصين في قضايا الهجرة قولهم إن إرسال أشخاص إلى دول ثالثة قد يؤدي في بعض الحالات إلى إعادتهم لاحقًا إلى دولهم الأصلية، رغم وجود قرارات سابقة تمنع ترحيلهم إليها بسبب مخاطر محتملة.

وتناول التحقيق دور مسؤولين أمريكيين في التفاوض على اتفاقيات مع دول أفريقية، مشيرًا إلى وثائق تفيد بتخصيص مئات الملايين من الدولارات لدعم ترتيبات استقبال المرحلين.

ووفق الوثائق التي استند إليها التحقيق، تعهدت الإدارة الأمريكية بتقديم ما لا يقل عن 410 ملايين دولار في إطار اتفاقيات مرتبطة بترحيل مهاجرين إلى دول ثالثة، يقع جزء منها في أفريقيا.

وأشار التحقيق إلى تخصيص 30 مليون دولار للكاميرون مقابل قبول ما يصل إلى 1000 مهاجر، بينما بلغ عدد من نُقلوا إليها حتى وقت إعداد التحقيق 44 شخصًا.

كما تحدث عن اتفاق مع جمهورية الكونغو الديمقراطية يتضمن دعمًا بقيمة 75 مليون دولار مقابل استقبال ما يصل إلى 2000 مهاجر، بينما بلغ عدد من وصلوا إليها 15 شخصًا، قبل توقف الرحلات إلى كينشاسا وفق المعلومات الواردة في التحقيق.

ويعيد التحقيق فتح النقاش بشأن قانونية ترتيبات ترحيل المهاجرين إلى دول ثالثة، والضمانات القانونية المتاحة لهم، إلى جانب التكلفة المالية والسياسية لهذه الاتفاقيات ومستقبلها في ظل استمرار الطعون القضائية بشأنها.