مومياء «المطرزة» تكشف أسرار الثراء والفنون الجنائزية في مصر خلال العصر الروماني
سلطت إحدى أبرز الاكتشافات الأثرية التي عُثر عليها في محافظة المنيا الضوء مجددًا على ثراء الحضارة المصرية وتنوع مظاهر الحياة الاجتماعية والفنية خلال العصر الروماني، وذلك بعد أن كشفت الدراسات الأثرية تفاصيل مومياء نادرة عُرفت باسم «المطرزة»، والتي تعد من أكثر النماذج تميزًا في تاريخ الاكتشافات المتعلقة بفنون الدفن وصناعة النسيج في مصر القديمة.
وتعود قصة هذه المومياء إلى أعمال الحفائر التي أجراها عالم الآثار الفرنسي ألبرت جايت خلال الفترة بين عامي 1899 و1900 في منطقة أنتينوبوليس الأثرية الواقعة بقرية الشيخ عبادة بمحافظة المنيا، حيث عُثر على جثمان امرأة حظي باهتمام واسع من الباحثين والمتخصصين بسبب الطبيعة الاستثنائية لتجهيزات دفنه والزخارف الغنية التي تميز الملابس والأقمشة المصاحبة له.
وأطلق علماء الآثار على هذه المومياء لقب «المطرزة» نتيجة الكميات الكبيرة من التطريزات والزخارف الدقيقة التي تغطي ملابسها ومقتنياتها الجنائزية، وهو ما جعلها نموذجًا فريدًا يعكس مستوى متقدمًا من الحرفية الفنية التي اشتهرت بها مصر خلال العصر الروماني. وتحتفظ حاليًا بها متاحف بروكسل ضمن مقتنيات متحف KMKG - MRAH تحت رقم التسجيل E.1045، حيث تعد واحدة من القطع الأثرية المهمة التي تستقطب اهتمام الباحثين في مجالات التاريخ والآثار والنسيج القديم.
وتشير الدراسات العلمية إلى أن الجثمان لم يخضع لعمليات التحنيط التقليدية المعروفة في مصر القديمة، وإنما تم حفظه بصورة طبيعية نتيجة تعرضه للجفاف داخل الرمال الساخنة، وهي عملية ساعدت على بقاء الجسد بحالة جيدة نسبيًا عبر قرون طويلة. كما أظهرت الفحوص أن المرأة كانت ترتدي ثلاث طبقات من الفساتين المزخرفة بنقوش تشبه القلوب، ما يعكس الذوق الفني الراقي ومستوى الثراء الذي تمتعت به صاحبة المومياء.
كما كشفت المعاينات الأثرية عن وجود غطاء رأس مزين بلفائف صوفية متعددة الألوان صُممت على هيئة أزهار، إلى جانب شال يغطي الكتفين ويحمل زخارف نباتية ورسومات لطيور متنوعة، الأمر الذي يبرز المهارة الفائقة التي وصل إليها صناع الأقمشة والتطريز خلال تلك الحقبة التاريخية.
ولم تتوقف مظاهر العناية عند الملابس فقط، بل امتدت إلى تفاصيل الدفن نفسها، حيث وُضعت وسائد مطرزة أسفل الرأس والقدمين، في مؤشر واضح على المكانة الاجتماعية الرفيعة للمتوفاة والاهتمام الكبير بالجوانب الجمالية والرمزية المرتبطة بالمعتقدات الجنائزية في العصر الروماني. ويرى الباحثون أن هذه المومياء تمثل مصدرًا مهمًا لفهم طبيعة الحياة اليومية ومستويات الرفاهية والفنون التطبيقية التي ازدهرت في مصر خلال تلك الفترة، كما تقدم صورة متكاملة عن تطور صناعة النسيج والملابس والطقوس الجنائزية التي شكلت جزءًا أساسيًا من التراث الحضاري المصري عبر العصور.
